ما الغرض من الاستفهام في قوله (عزَّ وجل) ﴿أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾

{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}

المشرف: خادم العباس (ع)

صورة العضو الرمزية
صدى المهدي
مهدوي متقدم
مهدوي متقدم
Posts in topic: 1
مشاركات: 374
اشترك في: الأحد مارس 11, 2018 9:24 am
الراية: أخت زينبية

#1 ما الغرض من الاستفهام في قوله (عزَّ وجل) ﴿أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾

مشاركة غير مقروءة بواسطة صدى المهدي » السبت يونيو 06, 2020 10:47 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾[1].

كيف يطلبُ نبيُّ الله زكريا(عليه السلام) من ربّه الذّريَّة, وحين يستجيبُ اللهُ (عزَّ وجل) لدعائه, يسألُه كيف وأنَّى ؟ ثم يأخذُ في شرح أحواله وأحوال زوجته المانعة من الإنجاب؟ فإذا كان يعلمُ أنَّه بهذه الحال وانَّ الإنجاب متعذِّرٌ في حقِّه فلماذا يسأل الله تعالى؟

الاستفهامُ الذي صدَر عن نبيِّ الله زكريَّا (عليه السلام) لم يكن للتّعبير عن الاستبعاد لقدرة الله على استجابة الدَّعوة التي دعا بها ربَّه وإنَّما هو لغرض التَّعبير عن الاستعظام لقدرة الله تعالى بقرنية أنَّ زكريَّا ذكر ما عليه من حالٍ في صلب دعائه في سورة مريم: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾[2].

فرغم أنَّه كان يُدرك من نفسه أنَّه شَيخٌ كبيرٌ وأنَّ زوجته عقيم إلا أنَّه مع ذلك دعا ربَّه أنْ يَرزُقَهُ ولدًا، فلو أنَّه لم يكن موقنًا بقدرة الله (عزَّ وجل) على استجابة دعائه لكان تصدِّيه للدّعاء عبثيًّا. وذلك يُمثِّل قرينةً واضحةً على أنَّ الاستفهام الذي صَدَرَ عنه بعد استجابة دعائِهِ لم يكن استبعادًا وإنَّما كان للتّعبير عن الاستعظام لقُدرة الله تعالى، فمساق الاستفهام الوارد في الآية الشَّريفة هو مساقُ قولنا لمن ظَلمناه وهو مقتدرٌ على ردَّ ظُلامته إلا أنَّه عفا: "كيف عفوتَ عنَّي وقد أسأتُ إليك؟"، فهذا الاستفهام إنَّما هو لغرض التَّعبير عن الإعجاب وليس لغرض استبعاد صدور العفو منه، فلأنَّ مقتضى الطَّبيعة هو انتقام المظلوم ممَّن ظلمه إذا تمكَّن من ذلك، فإذا عفا المظلوم عمَّن ظلَمه كان ذلك مُوجبًا للاستغراب والإعجاب.

وكذلك الحال في المقام فلأنَّ طبيعة الأمر أنَّ الشَّيخ الكبير والمرأة العقيم لا يُمكن عادةً أن يُنجبا ذُرِّيَّةً، فإذا وقع ذلك منهما استغربا وأصبح الاستعظامُ لقدرة الله تعالى حاضرًا في نفسيهما بعد أنْ كان مركوزًا، وذلك ما يدعوهما للتَّعبير عن الاستعظام المشوب بالاستغراب رُغم أنَّهما كانا يُدركان القُدرة الإلهيَّة على ذلك إلا أنَّ طبيعة النفس الإنسانيَّة هي الانسياق مع هذا الشُّعور والتَّعبير عنه بمجرَّد حصول الأمر الغريب.

فثمَّة شعورٌ بالالتذاذ والأُنس والاستعظام تمتزج جميعًا في النَّفس فتنساقُ النَّفس للتّعبير عنه بالاستفهام الذي يستبطنُ التَّعظيم والامتنان، فشأنُ المقام شأنُ من أُعطي جائزةً عظيمةً لا يُعطى مثلها عادةً لمثله فهو يُعبِّر عن ابتهاجه واستكثاره لهذه المِنحة بالاستفهام وأنَّه كيف مُنح هذه الجائزة والحال أنَّها لا تُمنح لمثلِه، فالعرفُ يفهمُ من هذا الاستفهام انَّه نحوٌ الشُّكْرَ للمانح والامتنان والاستعظام لسخائه. هذا وقد ذُكِرَ احتمالانِ آخران لمعنى الاستفهام في الآية الواردة على لسانه (عليه السلام).

الاحتمال الأول: أنَّ الله (عزَّ وجل) لمَّا أخبره باستجابته لدعائه وأنَّه سيرزُقُه بولدٍ اسمه يحيى سأل ربَّه عن كيفيَّة ذلك ؟ وهل سيكون الولد الذي سيمنحه إيّاه فهل سيكون ذلك من زوجته العقيم أم من زوجة أخرى ؟ فجاءه الجواب ﴿كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾[3]، فعلِمَ أنَّ الولد الذي سيمنحه إيَّاه سيكون من زوجته العقيم.

والاحتمال الثاني: أنَّ اللهَ تعالى لما أخبره باستجابة دعائه وأنَّه سيهبُه ولدًا اسمُه يحيى سأل ربَّه عن كيفيَّة ذلك وهل سيمنحه الولد بعد أن يُرجعه وزوجته شابَّين ويرفع العُقم عن زوجتِهِ أو سيمنحه إيَّاه وهو على هذه الحال؟ فجاء الجواب: ﴿كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾، فعلِم أنَّ الله (عزَّ وجل) سيمنحُه يحيى (عليه السلام) وهو على شَيخُوختِه ومن زوجتِه التي كانت عقيمًا.

الباحث الاسلامي الشيخ محمد صنقور



[1] آل عمران/38-40.

[2] مريم/4- 5.

[3] آل عمران/ 40.


صورة العضو الرمزية
وهج الإيمان
مشرفات السادة
مشرفات السادة
Posts in topic: 1
مشاركات: 6761
اشترك في: الاثنين أغسطس 20, 2007 5:40 pm
الراية: أخت زينبية

مشاركة غير مقروءة بواسطة وهج الإيمان » الثلاثاء يونيو 23, 2020 5:55 am

جزاك الله خيرا أختي صدى المهدي موضوع قيم

سبحان القادر على كل شيء سبحان من لايعجز ولايعجزه شيء
صورة
]
جنة اللقاء
عضـوة شـرف
عضـوة شـرف
Posts in topic: 1
مشاركات: 2842
اشترك في: السبت سبتمبر 29, 2007 3:02 pm
الراية: أخت زينبية

مشاركة غير مقروءة بواسطة جنة اللقاء » السبت أغسطس 08, 2020 9:34 am

اللهم صل على محمد وآل محمد..
بورك عطائك
وجمال صداك...
أضف رد جديد الموضوع السابقالموضوع التالي

العودة إلى ”واحة القرآن الكريم“