حلقات في أمهات المعصومين عليهم السلام

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )

المشرفون: ظلامة الزهراء،أنوار المنتظر،m_ali1950

صورة العضو الرمزية
وهج الإيمان
مشرفات السادة
مشرفات السادة
Posts in topic: 25
مشاركات: 6489
اشترك في: الاثنين أغسطس 20, 2007 5:40 pm
الراية: أخت زينبية

#1 حلقات في أمهات المعصومين عليهم السلام

مشاركة غير مقروءة بواسطة وهج الإيمان » الثلاثاء مارس 30, 2010 5:25 pm


بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد

هنا سنتابع حلقات في أمهات المعصومين 14 عليهم السلام وهو كتاب للإمام الراحل الشيرازي قدس سره


- الحلقة الأولى-

السيدة آمنة (عليها السلام) والدة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)




النسب الشريف


هي السيّدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، والدة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، يجتمع نسبها مع عبد الله زوجها والد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في كلاب، حيث إنّ أحد ابنيه قصي جدّ عبد الله، والآخر زهرة جدّ آمنة.

اُمّها: برة بنت عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب.

فكانت آمنة (عليها السلام) من بنات أعمام عبد الله (عليه السلام) .

فهي قرشية كلابية من الأبوين.

وقد تزوجها عبد الله وهو ابن ثلاثين سنة أو خمس وعشرين سنة.

الأصلاب الطاهرة


من معتقدات الشيعة الإمامية في المعصومين (عليهم السلام)أنهم لم يتنقّلوا إلا من صلب طاهر إلى رحم مطهّر، وذلك من أبينا آدم (عليه السلام) وأمنا حواء (عليها السلام) حتّى قدموا إلى هذه الحياة الدنيا.

فلا يمكن أن يودع المعصوم والعياذ بالله في صلب غير طاهر أو ليس بموحّد، أو أنّه يبقى في رحم غير مطهّر، وهذا ما دلّت عليه الروايات الشريفة:

فعن معاذ بن جبل أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ الله عزّوجلّ خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام».

قلت :فأين كنتم يا رسول الله؟

قال: «قدّام العرش نسبّح الله تعالى ونحمده ونقدّسه ونمجّده».

قلت: على أي مثال؟

قال: «أشباح نور حتّى إذا أراد الله عزّوجلّ أن يخلق صورنا صيّرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الاُمّهات، ولا يصيبنا نجس الشرك ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون، فلمّا صيّرنا إلى صلب عبد المطّلب أخرج ذلك النور فشقّه نصفين فجعل نصفه في عبد الله ونصفه في أبي طالب، ثمّ أخرج النصف الذي لي إلى آمنة والنصف إلى فاطمة بنت أسد، فأخرجتني آمنة وأخرجت فاطمة علياً، ثمّ أعاد عزّوجلّ العمود إليّ فخرجت منّي فاطمة، ثمّ أعاد عزّوجلّ العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين يعني من النصفين جميعاً، فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن، وما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الأئمّة من ولده إلى يوم القيامة»(1).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «خلقني الله تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد قبل أن يخلق آدم (عليه السلام) بسبعة آلاف عام، ثم نقلنا إلى صلب آدم(عليه السلام) ثم نقلنا من صلبه إلى أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات».

فقلنا: يا رسول الله، فأين كنتم وعلى أي مثال كنتم؟

قال: «أشباحاً من نور تحت العرش نسبّح الله تعالى ونقدّسه ونمجّده».

ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لمّا عُرج بي إلى السماء وعند سدرة المنتهى ودّعني جبرائيل(عليه السلام)، فقلت له: في هذا المكان تفارقني؟ فقال: إني لا أجوزه فتحرق أجنحتي».

ثمّ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «زجّ(2) بي في النور ما شاء الله، وأوحى الله تبارك وتعالى إليّ: يا محمّد إنّي اطّلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبياً، ثمّ أطلعت ثانية فاخترت منها علياً وجعلته وصيّك ووارثك ووارث علمك والإمام من بعدك، وأخرج من أصلابكما الذرّية الطاهرة والأئمّة المعصومين خزّان علمي، فلولاكم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة ولا الجنة ولا النار، يا محمّد أتحبّ أن تراهم؟

قلت: نعم.

فنوديت يا محمّد ارفع رأسك.

فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمّد بن علي وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمّد بن علي وعلي بن محمّد والحسن بن علي والحجّة بن الحسن يتلألأ وجهه من بينهم نوراً كأنه كوكب درّي، فقلت: يا ربّ ومن هؤلاء ومن هذا؟

قال: يا محمّد هم الأئمّة من بعدك المطهّرون من صلبك وهذا الحجّة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويشفي صدور قوم مؤمنين».

فقلنا: بآبائنا واُمّهاتنا يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لقد قلت عجباً.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «وأعجب من هذا أنّ قوماً يسمعون منّي هذا الكلام ثم يرجعون على أعقابهم بعد إذ هداهم الله ويؤذونني فيهم، ما لهم، لا أنالهم الله شفاعتي»(3).

ونقرأ في زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أشهد يا رسول الله أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها»(4).

وكذلك في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)(5).

إلى غير ذلك من الروايات والزيارات الشريفة التي تنصّ على أنّ المعصومين(عليهم السلام)لا يودعون إلاّ في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهّرة، مضافاً إلى بعض الشواهد التاريخية المؤيّدة لذلك.

نور النبوة


نقل المؤرخون أنّه كانت هناك امرأة تدعى فاطمة بنت مرّة قد قرأت الكتب واطّلعت على ما فيها من الوقائع المهمّة، وفي أحد الأيام التقت بعبد الله والد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت له: أنت الذي فداك أبوك بمائة من الإبل؟

قال: نعم.

فعرضت عليه نفسها ولو بالحرام مقابل أن تعطيه مائة من الإبل.

فتشاءم عبد الله منها وأنشأ يقول:

والحل لا حل فأستبينه ***أمّا الحرام فالممات دونه فكيف بالأمر الذي تبغينه

ثمّ إنّه ذهب مع أبيه فزوّجه آمنة بنت وهب، فبقي عندها يوماً وليلة، فحملت بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعد ذلك رأته فاطمة بنت مرّة فلم تعرض عليه رغبتها الاُولى، فتساءل منها عن سبب إعراضها بعد رغبتها؟

فأجابته: بأنّ ماذا صنعت بعد ذهابك عنّا؟

فأجابها عبد الله: تزوّجت آمنة بنت وهب.

وعندها قالت:

لله ما زهرية(6) سلبت

ثوبيك ما سلبت وما تدري ثمّ قالت: رأيت في وجهك نور النبوّة فأردت أن يكون فيّ، وأبى الله إلاّ أن يضعه حيث يحبّ، ثمّ قالت:

بني هاشم قد غادرت من أخيكم

أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوه

فتايل قد شبّت له بدخّان وما كل ما يحوي الفتى من نصيبه

بحرص ولا ما فاته بتواني(7)

مكانة الهاشميين

على الرغم من أنّه كانت لبني هاشم عند العرب منزلة رفيعة جعلت كافّة القبائل في مختلف الأمصار تطمح في مناسبتهم ومواصلتهم منهم، إلاّ أنّ مثل عبد الله والد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي كان في جبينه نور النبوّة وعلى سيماه آثار الصلاح وسمات الأولياء التي لم توجد إلاّ عند الأنبياء وأوصيائهم (عليهم السلام)كان محط أنظار كافّة الناس الذين عرفوه واطّلعوا على جلالته وعظم شأنه.

فقد نُقل في الحديث أنّ عبد الله(عليه السلام) لمّا تزوّج السيّدة آمنة(عليها السلام) ماتت العديد من النساء حسرة.

وكما في التاريخ أنّه لمّا شبّ عبد الله تطاولت إليه أعناق الخطّاب، وبذلوا في طلبه الكثير من الأموال رغبة في تحصيل نور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن في عهده أحد أجمل ولا أكمل منه، وكان إذا مرّ بالناس نهاراً يشمّون منه الروائح الطيّبة، وإذا مرّ بهم ليلاً أضاءت من أنواره الظلم، حتّى أنّ أهل مكّة سمّوه مصباح الحرم(8).

الملائكة تحرس عبدالله (عليه السلام)

بالإضافة إلى كل ما ذكرنا من الصفات الحميدة والخصال الحسنة التي جعلت الخطّاب يتنافسون من أجل الوصول إلى عبد الله (عليه السلام) إلاّ أنّ هناك حادثة خاصّة جعلت وهب بن عبد المناف يقدّم ابنته آمنة ويطلب بنفسه من عبد المطّلب أن يكون عبد الله صهراً له.

فقد نقل أنّ عبد الله لمّا ترعرع واشتدّ ساعده، ركب يوماً ليصيد، وقد نزل بالبطحاء(9) قوم من اليهود كانوا قد قدموا لقتل والد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وإطفاء نور الله المودع في صلبه، فنظروا إليه فرأوا سمات الأنبياء (عليهم السلام)فيه فقصدوه وكانوا ثمانين نفراً حاملين السيوف، وكان والد السيّدة آمنة في نفس المنطقة يصيد وقد رأى اليهود قد احتوشوا عبدالله ليقتلوه، فأراد أن يدفعهم عنه وإذا بجمع من الملائكة معهم الأسلحة قد طردوهم عنه، فتعجّب من ذلك وجاء إلى عبد المطّلب وقال له: زوّج بنتي آمنة من عبد الله(10).

وهب يخطب عبد الله لابنته


في بعض التواريخ: إنّ اليهود لما عرفوا أنه سيخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من صلب عبد الله (عليه السلام) همّوا بقتل عبد الله(عليه السلام) فرآهم وهب بن عبد المناف في المعركة، فأتى الحرم المكّي وأخبر بني هاشم، فهبّوا مسرعين لإنقاذ عبد الله.

ولمّا رآهم اليهود أيقنوا بالهلاك وتظاهروا أنّهم لم يقصدوا أذيته إلاّ أنّه لم يقبل منهم وطاردهم مع بني هاشم وتشابكوا معهم وقتلوا منهم قسماً والبقية أخذوهم إلى مكّة اُسارى وذلك لرغبتهم في إيصال بعض الأمانات التي كانت معهم إلى مكّة.

ثم أقبل عبد المطّلب (عليه السلام) إلى ولده عبد الله (عليه السلام) وقال له: يا ولدي لولا وهب بن عبد مناف أخبرنا بأمرك ما علمنا بأمرك ولكن الله تعالى يحفظك.

فلمّا أشرفوا على مكّة المكرّمة خرج الناس يهنّئونهم بالسلامة وإذا باليهود مقيّدين فأخذوا يرشقونهم بالحجارة، فقام عبد المطّلب وقال: أرسلوا بهم إلى دار وهب حتّى يستقصوا على أموالهم ولم يبق لهم شيء، فأرسلوهم إلى دار وهب.

وفي نفس الليلة أقبل وهب على زوجته برّة بنت عبد العزّى وقال لها: لقد رأيت اليوم عجباً من عبد الله ما رأيته من أحد، رأيته وهو يكرّ على اليهود كالليث، وكلّما رماهم بنبلة قتل منهم إنساناً، وهو أجمل الناس وجهاً، فامضي إلى والده واخطبيه لآمنة واعرضيها عليه، فعسى أن يقبلها، فإن قبلها سعدنا سعادة عظيمة.

فقالت له: يا وهب إنّ رؤساء مكّة وأشراف العرب قد رغبوا فيه فأبى عن ذلك، فكيف يتزوّج بابنتنا وهي قليلة المال؟

فقال لها: إنّ لي عليهم فضل حيث إنّني أخبرتهم بأمر عبد الله مع اليهود.

ثمّ إنّ والدة السيّدة آمنة خرجت إلى دار عبد المطّلب(عليه السلام)، فرحّب بها كثيراً وقال لها: لقد كان لزوجك اليوم علينا فضل لا نقدر أن نكافيه أبداً، وله أياد بالغة بذلك وسنجازيه بما فعل إن شاء الله تعالى، فاذهبي إليه وأبلغيه عنّا التحية والإكرام وقولي له: إن كانت له إلينا حاجة تُقضى إن شاء الله مهما كانت.

فاسترّت برّة وقالت: قد علمنا أنّ ملوك الشام والعراق وغيرهم رغبوا في ولدكم يطلبون أنواركم المضيئة ونحن أيضاً طمعنا فيمن طمع في ولدكم عبد الله، وقد رجا وهب أن يكون عبد الله زوجاً لابنتنا، وقد جئناكم طامعين ونسألكم أن تقبلونا، فإن كان مالها قليلاً فعلينا ما نجمّلها به وهي هدية منّا لابنك عبد الله.

فلمّا سمع عبد المطّلب (عليه السلام) كلامها نظر إلى عبد الله وكان قبل ذلك إذا عرض عليه التزويج من بنات الملوك يظهر في وجهه الامتناع وقال له: ما تقول يا بني فيما سمعت؟ فو الله ما في بنات أهل مكّة مثلها، فهي المحتشمة في نفسها، الطاهرة المطهّرة.

فسكت عبد الله (عليه السلام) ولم يجب.

فعلم عبد المطّلب (عليه السلام) أنّه قد مال إليها، فقال: قد قبلنا دعوتكم ورضينا بابنتكم.

وحينذاك قالت فاطمة زوجة عبد المطّلب: أنا أمضي معك إليها لأنظر إلى آمنة، فإن كانت تصلح لولدي رضينا بها.

فرجعت برّة مسرورة بما سمعت، وقد سمعت هاتفاً في الطريق يقول: بخٍ بخٍ لكم، قد قرب خروج المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).

فدخلت على زوجها، فقال: وما وراءك؟

فأخبرته الخبر وقالت له: اعلم أنّ عبد المطّلب قد رضي بابنتك، إلاّ أنّ فاطمة والدته تريد أن تنظر إلى ابنتك آمنة، فإن رضيت بها وإلاّ لم يكن شيئاً، وإنّي أخاف أن لا ترضى بها.

فقال لها وهب: اُخرجي فوراً إلى ابنتك وزيّنيها، فعسى أن ترغب فاطمة فيها؟!

فعمدت برّة إلى بنتها وألبستها أفخر ما عندها من الثياب وقالت لها: يا بنية إذا أتتك فاطمة فتأدّبي معها بأحسن الأدب.

وبينما هما على ذلك إذ أقبلت فاطمة وخرج وهب من المنزل وإذا بعبد المطّلب (عليه السلام)، فأدخلوا فاطمة، فقامت لها السيّدة آمنة إجلالاً وتعظيماً ورحّبت بها أحسن الترحيب.

فنظرت إليها فاطمة فأعجبت بها جدّاً وقالت لوالدتها: يا برّة ما كنت عهدت أنّ آمنة على هذه الصورة؟ علماً أنّني كنت قد رأيتها قبل ذلك مراراً وكراراً.

فقالت برّة: يا فاطمة كل ذلك ببركتكم علينا.

فقامت فاطمة وأتت إلى عبد المطّلب وعبد الله (عليهما السلام) وقالت: يا ولدي ما في بنات العرب مثلها أبداً، ولقد ارتضيتها، وإنّ الله تعالى لا يودع هذا النور إلاّ في مثل هذه(11).

الزواج الميمون


نقل العلاّمة المجلسي (رحمه الله) في (بحار الأنوار): أنّه لمّا حضرت ساعة عقد عبد الله (عليه السلام) من آمنة (عليها السلام) قام عقيل بن أبي وقّاص وقال:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم، ومن شجرة إسماعيل، ومن غصن نزار، ومن ثمرة عبد مناف، ثمّ أثنى على الله تعالى ثناء بليغاً وقال فيه جميلاً وعقد النكاح، ونظر إلى وهب وقال: يا أبا الوادح زوّجت كريمتك آمنة من ابن سيّدنا عبد المطّلب على صداق أربعة آلاف درهم بيض هجرية جياد وخمسمائة مثقال ذهب أحمر.

فقال: نعم.

ثمّ التفت إلى والد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: يا عبد الله قبلت هذا الصداق يا أيّها السيّد الخاطب؟

قال: نعم، وعندها دعا لهما بالخير والكرامة.

وأمر وهب أن تقدّم المائدة، فقدّمت مائدة خضرة فوضع الطعام وأكل الناس وشربوا، ونثر عبد المطّلب (عليه السلام) على ولده قيمة ألف درهم من النثار وكان متّخذاً من مسك ومن عنبر ومن سكّر ومن كافور، ونثر وهب كذلك بقيمة ألف درهم عنبراً وفرح الناس بذلك فرحاً شديداً(12).

ليلة الزفاف


عندما فرغ الناس من مراسم القران نظر عبد المطّلب (عليه السلام) إلى والد السيّدة آمنة وطلب منه أن تزفّ آمنة إلى عبد الله(عليه السلام)، فاستغرب وقال: بهذه السرعة؟

فأعرب عبد المطّلب (عليه السلام) عن شديد رغبته في رؤية زواج ابنه قبل وفاته.

فما كان من وهب إلاّ أن دخل على زوجته برّة وقال لها: اعلمي أنّ عبد المطّلب (عليه السلام) راغب أن يجمع بين ولده عبد الله وزوجته آمنة.

فقامت المرأة من وقتها مع بعض النساء وأعددن السيّدة آمنة، وما أن غربت الشمس حتّى زفّت إلى بيت عبد الله. وفي نفس تلك الليلة جاء وهب وقال لعبد المطّلب: أقدم على العروس.

فقام عبد المطّلب (عليه السلام) إلى العروس وقبّل ما بين عينيها وقال لولده عبد الله: اجلس يا ولدي معها وافرح برؤيتها.

فقعد عبد الله (عليه السلام) إلى جنب العروس وفرح عبد المطّلب (عليه السلام)، وكان من عبد الله إلى أهله ما يكون من الرجال إلى النساء(13).

من مؤامرات اليهود

وعندما جرى الكلام بين وهب وعبد المطّلب في أمر السيّدة آمنة (عليها السلام)، قال وهب: يا أبا الحارث هي هدية منّي إليك بغير صداق معجّل ولا مؤجّل.

إلاّ أنّ عبد المطّلب (عليه السلام) رفض وقال: جزيت خيراً يا وهب ولابدّ من صداق ويكون بيننا وبينك من يشهد به من قومنا.

ثمّ إنّ عبد المطّلب أراد أن يقدّم إليه شيئاً من المال ليصلح به شأنها وإذا به يسمع همهمة وأصواتاً، فتحرّى هو ووهب عن الخبر، وإذا باليهود الذين كانوا محبوسين في دار وهب قد تآمروا لقتل عبد المطّلب وعبد الله، فساروا إلى دار وهب فكانوا يرون عبد الله ووالده ووهب وهم لا يرونهم، فرموهم بالحجارة فردّها الله عزّوجلّ عليهم.

ثمّ إنّ عبد المطّلب خرج مع عبد الله وفاطمة إلى منزلهم، وقالوا: يا وهب إذا كان في الغد جمعنا قومنا وقومك ليشهدوا بما يكون من الصداق.

فقال: جزاك الله خيراً فلمّا طلع الفجر أرسل عبد المطّلب إلى بني عمّه ليحضروا خطبتهم، وجمع وهب أيضاً قرابته وبني عمّه، فاجتمعوا في الأبطح.

فلمّا أشرف عليهم الناس قاموا إجلالاً لعبد المطّلب وأولاده، ثمّ إنّه لمّا استقرّ بهم المجلس خطبوا خطبتهم وعقدوا عقد النكاح وقام عبد المطّلب فيهم خطيباً، فقال:

الحمد لله حمد الشاكرين، حمداً استوجبه بما أنعم علينا وأعطانا وجعلنا لبيته جيراناً ولحرمه سكّاناً وألقى محبّتنا في قلوب عباده وشرّفنا على جميع الاُمم ووقانا شرّ الآفات والنقم، والحمد لله الذي أحلّ لنا النكاح وحرّم علينا السفاح وأمرنا بالاتّصال وحرّم علينا الحرام، اعلموا أنّ ولدنا عبد الله هذا الذي تعرفونه قد خطب فتاتكم آمنة بصداق معجّل ومؤجّل كذا وكذا، فهل رضيتم بذلك من ولدنا؟

قال وهب: قد رضينا منكم.

فقال عبد المطّلب: اشهدوا يا من حضر.

ثمّ تصافحوا وتهانوا وتصافقوا وتعانقوا وأولم عبد المطّلب وليمة عظيمة فيها جميع أهل مكّة وأوديتها وشعابها وسوادها، فأقام الناس في مكّة أربعة أيّام(14).

محاولة اغتيال السيّدة آمنة

بعد أن قدمت زرقاء اليمامة(15) من الشام إلى مكّة المكرّمة واطّلعت على النور العظيم الذي يحمله والد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وكيف إنّه انتقل إلى السيّدة آمنة(عليها السلام) عمدت إلى تدبير مخطّط تتخلّص من خلاله من آمنة (عليها السلام) وتطفأ النور الإلهي المودع في أحشائها.

وبالفعل، فقد أخذت تلك المرأة تفكّر في الحيلة التي تتخلّص من خلالها من السيّدة فانتهى فكرها إلى ما يلي:

أن تجهّز من الماشطات حتّى يقتلنها، فعثرت على امرأة من الخزرج اسمها «تكنا» وكانت ماشطة للسيّدة آمنة، فلمّا كان في بعض الليالي استيقظت «تكنا» فرأت عند رأس الزرقاء شخصاً يحدّثها ويقول:

ويلك يا زرقاء! لقد نزل بنا أمر عظيم، كنّا نصعد إلى السماء السابعة ونسترق السمع، وفي هذه الأيام الأخيرة طردنا من السماء وسمعنا منادياً ينادي في السماوات: أنّ الله قد أراد أن يظهر المكسّر للأصنام ومظهر عبادة الرحمن فامتنعوا جملة الشياطين من السماء ورمتنا الملائكة بشهب من نار، وقد جئتك لاُحذّرك.

فلمّا سمعت زرقاء كلامه قالت له: انصرف عنّي، فلابدّ أن أجتهد في قتل هذا المولود.

ثمّ إنّه فارقها و«تكنا» تسمع ما جرى بينهما، فأتت إلى الزرقاء وقالت لها: ما لي أراك مغمومة؟

قالت لها: يا ويلك إنّ همّي وحزني من حامل مولود يدعو إلى تكسير الأصنام ويذلّ السحرة والكهّان، فلو وجدت من يساعدني على قتل آمنة بذلت له الجزيل من الأموال والهدايا، وعمدت إلى كيس كان معها فأفرغته بين يدي «تكنا» وكان مالاً جزيلاً.

فلمّا نظرت «تكنا» إلى المال أغراها وراقها بريقها، وقالت لها: يا زرقاء لقد ذكرت أمراً عظيماً إلاّ أنّني سأفكّر لك فيما ذكرت، ولكن كيف أجسر على ما وصفت والوصول إلى ما ذكرت؟

فقالت الزرقاء: إذا دخلت عليها وجلست عندها فاقبضي على ذوائبها(16) واضربيها بهذا الخنجر فإنّه مسموم، وإذا وقعت عليك التهمة أو وجبت عليك دية فأنا أقوم بخلاصك وأدفع عنك فما أنت قائلة؟

قالت: إنّي أجبتك لكن اُريد منك الحيلة بأن تشغلي بني هاشم عنّي.

فقالت الزرقاء: لا عليك أنا أشغلهم عنك.

ثمّ إنّ الزرقاء أعطت «تكنا» الخنجر المسموم وقالت لها: قومي إلى حاجتك، فقامت ودخلت على السيّدة آمنة (عليها السلام) فرحّبت بها وسألتها عن أحوالها وقالت: يا «تكنا» لقد انقطعت عنّا؟

فقالت: اشتغلت بهمّي وحزني، ولولا فضلكم علينا لكنّا بأقبح حال ولا أحد أعزّ عليّ منك، هلمّي يا بنيّة إليّ حتّى اُزيّنك.

فجاءت السيّدة آمنة (عليها السلام) وجلست بين يديها، فلمّا فرغت من تسريح شعرها عمدت إلى الخنجر وأرادت أن تضربها به فحسّت كأنّ أحداً قبض على قلبها فغشي على بصرها فسقط الخنجر من يدها إلى الأرض، فصاحت وا حزناه.

فالتفتت السيّدة آمنة (عليها السلام) إليها وإذا الخنجر قد سقط من يدها، فصاحت السيّدة آمنة، فتبادرت النسوان إليها وقلن لها: ما دهاك؟

قالت: أما ترين ما جرى عليّ من «تكنا»؟ لقد كادت أن تقتلني بهذا الخنجر المسموم.

فقلن: يا «تكنا» ما أصابك، ويلك تريدين أن تقتلي آمنة؟

فقالت: نعم، لقد أردت قتلها.

فقالت لها النساء: يا «تكنا» ما حملك على ذلك؟

قالت: لا تلوموني حملني طمع الدنيا والغرور، ثمّ أخبرتهنّ بالقصة وقالت لهنّ: ويحكنّ دونكنّ الزرقاء اقتلنها قبل أن تفوتكنّ(17).

نور وجه عبد الله (عليه السلام)

روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: ولد لأبي، عبد المطلب عبد الله فرأينا في وجهه نوراً يزهر كنور الشمس، فقال أبي: إن لهذا الغلام شأناً عظيماً.

قال: فرأيت في منامي أنه خرج من منخره طائر أبيض فطار فبلغ المشرق والمغرب، ثم رجع راجعاً حتى سقط على بيت الكعبة، فسجدت له قريش كلها، فبينما الناس يتأملونه إذ صار نوراً بين السماوات والأرض وامتد حتى بلغ المشرق والمغرب.

فلما انتبهت سألت كاهنة بني مخزوم، فقالت: يا عباس لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعاً له.

قال أبي أي العباس : فهمّني أمر عبد الله إلى أن تزوج بآمنة وكانت من أجمل نساء قريش وأتمها خلقاً، فلما مات عبد الله وولدت آمنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أتيته فرأيت النور بين عينيه يزهر... الحديث(18).

فترة الحمل

إنّ مرحلة حمل السيّدة آمنة (عليها السلام) بالنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت مليئة بالخيرات والبركات وما يؤكد على قداسة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومدى علوّ مقامه عند الله تعالى وارتفاع شأنه العالي لديه.

فقد نقل العلاّمة المجلسي(قدس سره) قائلاً:

لمّا مرّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في بطن اُمّه شهران أمر الباري تعالى منادياً في السماوات والأرضين، أن ناد في السماوات والأرض والملائكة: أن استغفروا لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)واُمّته، كل هذا ببركة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولمّا أتى على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في بطن اُمّه ثلاثة أشهر كان أبو قحافة راجعاً من الشام، فلمّا بلغ مشارف مكّة وضعت ناقته جمجمتها على الأرض ساجدة وكان بيده قضيب فضربها، فلم ترفع رأسها، فقال أبو قحافة: فما أرى ناقة تركت صاحبها، وإذا بهاتف يقول: لا تضرب يا أبا قحافة من لا يطيعك ألا ترى أنّ الجبال والبحار والأشجار سوى الآدميين سجدوا لله !.

فقال أبو قحافة: يا هاتف وما السبب في ذلك؟

قال: سترى يا أبا قحافة إن شاء الله تعالى.

يقول أبو قحافة: فوقفت ساعة حتّى رفعت الناقة رأسها وجئت إلى عبد المطّلب فأخبرته.

ولمّا أتى على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أربعة أشهر كان زاهد على الطريق من الطائف وكان له صومعة(19) بمكّة على مرحلة قال: فخرج الزاهد وكان اسمه حبيباً فجاء إلى بعض أصدقائه بمكّة، فلمّا بلغ أرض الموقف إذا بصبي قد وضع جبينه على الأرض وقد سجد على جمجمته، فدنا حبيب منه وأخذه وإذا بهاتف يهتف ويقول: خلّ عنه يا حبيب ألا ترى إلى الخلائق من البر والبحر والسهل والجبل قد سجدوا لله شكراً(20).

البشرى بمولد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


كثيرة كانت البشارات التي بشّرت بنبي آخر الزمان(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي سينقذ الاُمّة من ظلمات الجاهلية الاُولى ويدخلها في عزّ الوحدانية والتوحيد.

فمن قبل أن تنعقد نطفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان الأنبياء والصلحاء (عليهم السلام)بل وحتّى المنجّمين وغيرهم ممّن يعتقد بهم بعض الناس يخبرون عن قرب ظهور نبي آخر الزمان ويشيدون بفضائله ومكانته الرفيعة عند الله تبارك وتعالى.

وربما لا نبالغ إذا ما ذهبنا بالقول إنّ استعراض مثل هذه المبشّرات يحتاج إلى مجلّد ضخم إلاّ أنّ الذي يهمّنا في بحثنا هذا هو البشارات المرتبطة باُمّهات المعصومين (عليهم السلام).

فعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب، فلم تزل معها حتّى وضعت، فقالت إحداهما للاُخرى: هل ترين ما أرى؟

فقالت: وما ترين؟

قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب.

فبينما هما كذلك إذ دخل عليهما أبو طالب(عليه السلام)، فقال لهما: ما لكما من أي شيء تعجبان؟

فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت.

فقال لها أبو طالب: ألا اُبشّرك؟

فقالت: بلى.

فقال: أما إنّك ستلدين غلاماً يكون وصي هذا المولود(21).

الميلاد المبارك

ومن الاُمور المهمّة التي دوّنها المؤرخون في سيرة السيّدة آمنة (سلام الله عليها) هي لحظات ولادتها المباركة للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)التي لم يشهد التاريخ مثلها قطّ.

فقد رافقت تلك الولادة الميمونه أحداث ووقائع مهمّة تدلّ على عظمة ذلك المولود المبارك الذي أطلّ على الوجود، فملأ العالمين ضياءً وغطّى الكون الواسع بركة وجلالة.

لقد شاءت إرادة السماء أن تهدي للبشرية هديتها العظمى التي لم ولن يُعرف قدرها إلى قيام يوم الدين، فها هو سيّد المرسلين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي طالما بشّرت به الرسالات السابقة وأكّدت على جلالة قدره وعظمة شأنه الرفيع يطرق الأبواب ليجلب معه أنوار الهداية إلى البشرية جمعاء.

فما أعظم تلك اللحظات؟!

وما أقدس جلالة قدرها؟!

فقد روي أنّ السيّدة فاطمة بنت أسد اُمّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كانت حاضرة في الليلة التي ولدت فيها السيّدة آمنة بنت وهب اُمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورأت مثل الذي رأته، فلمّا كان الصبح انصرف أبو طالب (عليه السلام) من الطواف فاستقبلته، ثم قالت له: لقد رأيت الليلة عجباً.

قال لها: ما رأيت؟

قالت: ولدت آمنة بنت وهب مولوداً أضاءت له الدنيا بين السماء والأرض نوراً حتّى مددت عيني فرأيت سعفات(22) هجر(23).

فقال لها أبو طالب(عليه السلام): انتظري سبتاً تأتين بمثله، فولدت أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد ثلاثين سنة، وهكذا روي أنّ السبت ثلاثون سنة(24).

وقد روي عن السيّدة آمنة (سلام الله عليها) إنّها قالت: لمّا اقتربت ولادة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رأيت جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب الرعب عنّي واُوتيت بشربة بيضاء وكنت عطشى فشربتها فأصابني نور عال.

ثمّ رأيت نسوة كالنخل طولاً تحدّثني، وسمعت كلاماً لا يشبه كلام الآدميين حتّى رأيت كالديباج الأبيض قد ملأ بين السماء والأرض وقائل يقول: خذوه من أعزّ الناس.

ورأيت رجالاً وقوفاً في الهواء بأيديهم أباريق.

ورأيت مشارق الأرض ومغاربها.

ورأيت عَلَماً من سندس على قضيب من ياقوتة قد ضرب بين السماء والأرض في ظهر الكعبة فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رافعاً إصبعه إلى السماء.

ورأيت سحابة بيضاء تنزل من السماء حتّى غشيته، فسمعت نداءً: طوفوا لمحمّد شرق الأرض وغربها والبحار لتعرفوه باسمه ونعته وصورته، ثمّ انجلت عنه الغمامة فإذا أنا به في ثوب أبيض من اللبن وتحته حريرة خضراء وقد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب، وقائل يقول: قبض محمّد على مفاتيح النصرة والريح والنبوّة.

ثمّ أقبلت سحابة اُخرى فغيّبته عن وجهي أطول من المرّة الاُولى، وسمعت نداءً: طوفوا بمحمّد الشرق والغرب واعرضوه على روحاني الجنّ والإنس والطير والسباع وأعطوه صفاء آدم ورقّة نوح وخلّة إبراهيم ولسان إسماعيل وكمال يوسف وبشرى يعقوب وصوت داود وزهد يحيى وكرم عيسى (عليهم السلام).

ثمّ انكشف عنه فإذا أنا به وبيده حريرة بيضاء قد طويت طيّاً شديداً وقد قبض عليها وقائل يقول: قد قبض محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)على الدنيا كلّها فلم يبق شيء إلاّ دخل في قبضته.

ثمّ إنّ ثلاثة نفر كأنّ الشمس تطلع من وجوههم، في يد أحدهم إبريق فضّة ونافجة(25) مسك، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء لها أربع جوانب من كل جانب لؤلؤة بيضاء وقائل يقول: هذه الدنيا فاقبض عليها يا حبيب الله، فقبض على وسطها، وقائل يقول: قبض الكعبة، وفي يد الثالث حريرة بيضاء مطوية فنشرها فأخرج منها خاتماً تحار أبصار الناظرين فيه، فغسّل بذلك الماء من الإبريق سبع مرّات ثمّ ضرب الخاتم على كتفيه وتفل في فيه فاستنطقه فنطق، فلم أفهم ما قال إلاّ أنّه قال: في أمان الله وحفظه وكلاءته قد حشوت قلبك إيماناً وعلماً ويقيناً وعقلاً وشجاعة، أنت خير البشر، طوبى لمن اتّبعك وويل لمن تخلّف عنك، ثمّ أدخل بين أجنحتهم ساعة وكان الفاعل به هذا رضوان، ثمّ انصرف وجعل يلتفت إليه ويقول: أبشر يا عزّ الدنيا والآخرة، ورأيت نوراً يسطع من رأسه حتّى بلغ السماء ورأيت قصور الشامات كأنّها شعلة نار نوراً، ورأيت حولي من القطا(26) أمراً عظيماً قد نشرت أجنحتها(27).

البشارة العظمى


على الرغم من أنّ ولادة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) رافقها العديد من المبشّرات من الأحداث المهمّة التي تدلّ على عظمته(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّ هناك بشارة عظيمة تفوقها جميعها، ألا وهي البشارة بقدوم مكمّل الرسالة وهادي الناس من الضلالة وصي المصطفى المختار ووالد الأئمّة الأطهار أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه أفضل الصلاة والسلام).

فعن المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لمّا ولد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فتح لآمنة بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد اُمّ أمير المؤمنين إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة فأعلمته ما قالته آمنة، فقال لها أبو طالب: وتتعجّبين من هذا إنّك تحبلين وتلدين بوصيّه ووزيره»(28).

إرهاصات الولادة


من المسلّمات المشهورة أن لدى ولادة معظم الأنبياء والأوصياء الصالحين(عليهم السلام)وكذا في أيّام حملهم تظهر إرهاصات وعلامات مهمّة تدلّ على عظمة شأن المولود ومدى قداسته عند الله تبارك وتعالى.

وقد أحيطت ولادة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)بالكثير من الأحداث المهمّة المشيرة إلى علوّ مكانته العظيمة عند الباري عزّوجلّ.

ونحن نشير إلى بعض تلك الأحداث والإرهاصات حيث قد نقلتها والدة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)السيّدة آمنة (عليها السلام) فقالت:

نظرت إلى وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا هو مكتحل العينين، منقّط الجبين والذقن، وقد أشرق من وجنتي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نور ساطع في ظلمة الليل ومرّ في سقف البيت وشقّ السقف.

ورأت آمنة (عليها السلام) من نور وجهه كل منظر حسن وقصر بالحرم، وسقط في تلك الليلة أربعة وعشرون شرفاً من إيوان كسرى، وأخمدت في تلك الليلة نيران فارس، وأبرق في تلك الليلة برق ساطع في كل بيت وغرفة في الدنيا ممّن قد علم الله تعالى وسبق في علمه أنّهم يؤمنون بالله ورسوله محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يسطع في بقاع الكفر بأمر الله تعالى، وما بقي في مشارق الأرض ومغاربها صنم ولا وثن إلاّ وخرّت على وجوهها ساقطة على جباهها خاشعة، وذلك كلّه إجلالاً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(29).

وفي حديث آخر نقل عن السيّدة آمنة (عليها السلام) أنّها قالت: لمّا حملت برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لم أشعر بالحمل ولم يصبني ما يصيب النساء من ثقل الحمل، ورأيت في نومي كأنّ آتياً أتاني وقال لي: قد حملت بخير الأنام.

فلمّا حان وقت الولادة خفّ ذلك عليّ حتّى وضعته(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتّقي الأرض بيديه وسمعت قائلاً يقول: وضعت خير البشر فعوّذيه بالواحد الصمد من شرّ كل باغٍ وحاسد، فولدت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين.

أقول: هذا على رواية، وهو يؤيّد القائلين بأنّ ميلاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، إلاّ أن المشهور بين الإمامية هو السابع عشر من شهر ربيع الأول كما ذكرناه في كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم)(30).

فقالت السيّدة آمنة (عليها السلام): لمّا سقط إلى الأرض اتّقى الأرض بيديه وركبتيه ورفع رأسه إلى السماء، وخرج منّي نور أضاء ما بين السماء والأرض، ورميت الشياطين بالنجوم وحجبوا عن السماء.

ورأت قريش الشهب والنجوم تسير في السماء ففزعوا لذلك وقالوا: هذا قيام الساعة، واجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة فأخبروه بذلك وكان شيخاً كبيراً مجرّباً، فقال: انظروا إلى هذه النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر، فإن كانت قد زالت فهو قيام الساعة، وإن كانت هذه ثابتة فهو لأمر قد حدث.

وأبصرت الشياطين ذلك فاجتمعوا إلى إبليس فأخبروه بأنّهم قد منعوا من السماء ورموا بالشهب، فقال: اطلبوا فإنّ أمراً قد حدث.

فجالوا في الدنيا ورجعوا، فقالوا: لم نر شيئاً.

فقال: أنا لهذا، فخرق ما بين المشرق والمغرب فانتهى إلى الحرم، فوجد الحرم محفوفاً بالملائكة، فلمّا أراد أن يدخل صاح به جبرئيل، فقال: اخسأ يا ملعون.

فجاء من قبل فصار مثل الصرّ(31) قال: يا جبرئيل ما هذا؟

قال: هذا نبي قد ولد وهو خير الأنبياء.

قال: هل لي فيه نصيب؟

قال: لا.

قال: ففي اُمّته؟

قال: نعم.

قال: قد رضيت(32).

المشركون يقرون بالإرهاصات

إنّ الأحداث العظيمة التي حصلت عند ولادة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقرّ بها الموحّدون فحسب، بل حتّى المشركين على عنادهم وإلحادهم أقرّوا بها وشهدوا للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بطيب الولادة وعظم الشأن لدى الله تعالى.

ورد عن عمرو بن اُميّة وكان من أزجر أهل الجاهلية أنّه قال: انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شيء، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث، وأصبحت الأصنام كلّها صبيحة مولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ليس منها صنم إلاّ وهو منكبّ على وجهه، وارتجس في تلك الليلة إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة(33)، وغاضت بحيرة ساوه، وفاض وادي السماوة، وخمدت نيران فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان(34) في تلك الليلة في المنام إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانسربت في بلادهم، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه، وانخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطار حتّى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلاّ أصبح منكوساً، والملك مخرساً لا يتكلّم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم تبق كاهنة في العرب إلاّ حجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب وسمّوا آل الله عزوجل. قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «إنّما سمّوا آل الله لأنّهم في بيت الله الحرام»(35).

العباس يخبر عن المولد الشريف

وقد روى العباس بن عبد المطّلب(عليه السلام) عم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن لسان السيّدة آمنة(عليها السلام) عظمة تلك الأحداث التي صاحبت ميلاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال:

«لمّا مات عبد الله وولدت آمنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أتيته فرأيت النور بين عينيه يزهر، فحملته وتفرّست في وجهه فوجدت منه ريح المسك، وصرت كأنّي قطعة مسك من شدّة ريحي، فحدّثتني آمنة وقالت لي: إنّه لمّا أخذني الطلق واشتدّ بي الأمر سمعت جلبة(36) وكلاماً لا يشبه كلام الآدميين، ورأيت علماً من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب بين السماء والأرض، ورأيت نوراً يسطع من رأسه حتّى بلغ السماء، ورأيت قصور الشامات كأنّها شعلة نار نوراً، ورأيت حولي من القطاة أمراً عظيماً قد نشرت أجنحتها حولي، ورأيت شعيرة الأسدية قد مرّت وهي تقول: آمنة ما لقيت الكهّان والأصنام من ولدك، ورأيت رجلاً شاباً من أتمّ الناس طولاً وأشدّهم بياضاً وأحسنهم ثياباً ما ظننته إلاّ عبد المطّلب قد دنا منّي فأخذ المولود فتفل في فيه واستنطقه، فنطق فلم أفهم ما قال إلاّ أنّه قال: في أمان الله أنت خير البشر، طوبى لمن اتّبعك، وويل لمن تخلّف عنك، وأخرج صرّة اُخرى من حريرة بيضاء ففتحها فإذا فيها خاتم فضرب على كتفيه ثمّ قال: أمرني ربّي أن أنفخ فيك من روح القدس، فنفخ فيه وألبسه قميصاً وقال: هذا أمانك من آفات الدنيا فهذا ما رأيت يا عباس بعيني.

قال العباس: وأنا يومئذ أقرأ فكشفت عن ثوبه فإذا خاتم النبوّة بين كتفيه فلم أزل أكتم شأنه وأنسيت الحديث فلم أذكره إلى يوم إسلامي حتّى ذكّرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»(37).

في مجلس معاوية

على الرغم من أنّ معاوية بن أبي سفيان كان يكنّ الحقد والعداء للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الطاهرة (عليهم السلام)إلاّ أنّه أكثر من مرّة اضطر لكي يسمح للآخرين بأن يذكروا فضائلهم (عليهم السلام)وذلك من أجل كسب السمعة وتغطية بغضه لهم (عليهم السلام)ولو في بعض الأحيان.

والواقعة التالية هي من مصاديق ذلك:

يقول ليث بن سعد، قلت لكعب وهو عند معاوية: كيف تجدون صفة مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وهل تجدون لعترته فضلاً؟

فالتفت كعب إلى معاوية لينظر كيف هواه، فأجرى الله عزوجل على لسانه، فقال: هات يا أبا إسحاق رحمك الله ما عندك.

فقال كعب: إنّي قد قرأت اثنين وسبعين كتاباً كلّها اُنزلت من السماء، وقرأت صحف دانيال كلّها ووجدت في كلّها ذكر مولده(صلى الله عليه وآله وسلم) ومولد عترته وإنّ اسمه لمعروف وإنّه لم يولد نبي قط فنزلت عليه الملائكة ما خلا عيسى وأحمد (صلّى الله عليهما)، وما ضرب على آدمية حجب الجنّة غير مريم وآمنة اُمّ أحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما وكّلت الملائكة باُنثى حملت غير مريم اُمّ المسيح (عليها السلام) وآمنة اُم أحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان من علامة حمله أنّه لمّا كانت الليلة التي حملت آمنة به(صلى الله عليه وآله وسلم) نادى مناد في السماوات السبع: أبشروا فقد حمل الليلة بأحمد، وفي الأرضين كذلك حتّى في البحور، وما بقي يومئذ في الأرض دابة تدب ولا طائر يطير إلاّ علم بمولده، ولقد بني في الجنّة ليلة مولده سبعون ألف قصر من ياقوت أحمر وسبعون ألف قصر من لؤلؤ رطب، فقيل: هذه قصور الولادة، ونجدت(38) الجنان وقيل لها: اهتزّي وتزيّني فإنّ نبي أوليائك قد ولد، فضحكت الجنّة يومئذ، فهي ضاحكة إلى يوم القيامة، وبلغني أنّ حوتاً من حيتان البحر يقال له: طموساً وهو سيّد الحيتان له سبعمائة ألف ذنب يمشي على ظهره سبعمائة ألف ثور الواحد منها أكبر من الدنيا لكل ثور سبعمائة ألف قرن من زمرد أخضر لايشعر بهنّ اضطرب فرحاً بمولده، ولولا أنّ الله تبارك وتعالى ثبّته لجعل عاليها سافلها، ولقد بلغني أنّ يومئذ ما بقي جبل إلاّ نادى صاحبه بالبشارة ويقول: لا إله إلاّ الله، ولقد خضعت الجبال كلّها لأبي قبيس كرامةً لمولده(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولقد قدّست الأشجار أربعين يوماً بأنواع أفنانها وثمارها فرحاً بمولده(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولقد ضرب بين السماء والأرض سبعون عموداً من أنواع الأنوار لا يشبه كل واحد صاحبه، وقد بشّر آدم (عليه السلام) بمولده فزيد في حسنه سبعين ضعفاً، وكان قد وجد مرارة الموت وكان قد مسّه ذلك فسري عنه ذلك، ولقد بلغني أنّ الكوثر اضطرب في الجنّة واهتزّ فرمى بسبعمائة ألف قصر من قصور الدرّ والياقوت نثاراً لمولد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولقد زمّ(39) إبليس وكُبّل(40) واُلقي في الحصن أربعين يوماً وغرق عرشه أربعين يوماً، ولقد تنكّست الأصنام كلّها وصاحت وولولت، ولقد سمعوا صوتاً من الكعبة يا آل قريش لقد جاءكم البشير، جاءكم النذير، معه العزّ الأبد والربح الأكبر وهو خاتم الأنبياء، ونجد في الكتب أنّ عترته خير الناس بعده وأنّه لا يزال الناس في أمان من العذاب ما دام من عترته في دار الدنيا خلق يمشي.

فقال معاوية: يا أبا إسحاق ومَن عترته؟

قال كعب: ولد فاطمة(عليها السلام).

فعبس وجهه وعضّ على شفتيه وأخذ يعبث بلحيته.

فقال كعب: وإنّا نجد صفة الفرخين المستشهدين، وهما فرخا فاطمة(عليها السلام) يقتلهما شرّ البرية.

قال: فمن يقتلهما؟

قال: رجل من قريش.

فقام معاوية وقال: قوموا إن شئتم، فقمنا(41).

حال الأبالسة

إنّ من العلامات الحتميّة التي أكّدها الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)في مختلف أحاديثهم والتي تدلّ على قداسة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعظمة مولده المبارك هو أنّ الأبالسة بعد أن كانت تخترق السماوات السبع حبست فور ميلاده(صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذلك، ومنعت من التجسّس واستراق السمع.

بل إنّ الأبالسة اضطربت يوم ميلاد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وراعها هول الأحداث العظيمة التي حدثت إثر ولادته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «صاح إبليس لعنه الله في أبالسته فاجتمعوا إليه، فقالوا: ما الذي أفزعك ياسيدنا؟

فقال لهم: ويلكم لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى ابن مريم (عليهما السلام)، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث؟

فافترقوا ثمّ اجتمعوا إليه، فقالوا: ما وجدنا شيئاً.

فقال إبليس لعنه الله: أنا لهذا الأمر، ثمّ انغمس في الدنيا فجالها حتّى انتهى إلى الحرم فوجد الحرم محفوظاً بالملائكة، فذهب ليدخل فصاحوا به فرجع ثمّ صار مثل الصرّ وهو العصفور فدخل من قبل حراء، فقال له جبرئيل: وراك لعنك الله؟

فقال له: حرف أسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض؟

فقال له: ولد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال له: هل لي فيه نصيب؟

قال: لا.

قال: ففي اُمّته؟

قال: نعم.

قال: رضيت»(42).

وفي حديث آخر: إنّ إبليس (لعنه الله تعالى) لمّا رأى ذلك وضع التراب على رأسه وجمع أولاده وقال لهم: يا أولادي اعلموا أنّني ما أصابني منذ خلقت مثل هذه المصيبة.

قالوا: وما هذه المصيبة؟

قال: اعلموا أنّه قد ولد في هذه الليلة مولود اسمه محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يبطل عبادة الأوثان ويمنع السجود للأصنام ويدعو الناس إلى عبادة الرحمن.

فنثروا التراب على رؤوسهم، ودخل إبليس (لعنه الله تعالى) في البحر الرابع وقعد فيه للمصيبة هو وأولاده مكرهين أربعين يوماً(43).

الملائكة والحور تستبشر

وبعد أن ولد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأطلّ بمحيّاه الشريف على الدنيا أخذته الحوريات ولففنه في منديل رومي ووضعنه بين يدي آمنة(عليها السلام) ورجعن إلى الجنّة يبشّرن الملائكة في السماوات بمولده (صلى الله عليه وآله وسلم).

ونزل جبرئيل وميكائيل(عليهما السلام) ودخلا البيت على صورة الآدميين وهما شابان، ومع جبرئيل طشت من ذهب، ومع ميكائيل إبريق من عقيق أحمر، فأخذ جبرئيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وغسّله، وميكائيل يصبّ الماء عليه، فغسّلاه، وآمنة (عليها السلام) في زاوية البيت قاعدة.

فقال لها جبرئيل: يا آمنة لا نغسّله من النجاسة، فإنّه لم يكن نجساً ولكن غسّلناه من ظلمات بطنك.

فلمّا فرغوا من غسله وكحّلوا عينيه ونقّطوا جبينيه بزرقة كانت معهم مسك وعنبر وكافور مسحوق بعضه ببعض فذروه فوق رأسه(صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت آمنة(عليها السلام): وسمعت كلاماً على الباب، فذهب جبرئيل إلى الباب فنظر ورجع إلى البيت وقال: ملائكة سبع سماوات يريدون السلام على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فاتّسع البيت ودخلوا عليه(44).

وفاة والد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

بقي عبد الله (عليه السلام) بعد زواجه من السيّدة آمنة (عليها السلام) أربعين يوماً لا يخرج من داره، ثمّ خرج فنظر أهل مكّة إليه وإذا بالنور الذي كان يشرق في جبينه قد فارق موضعه.

ولمّا أتى على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)شهر واحد في بطن اُمّه نادت الجبال والأشجار والسماوات بعضها بعضاً مستبشرين قائلين: ألا إنّ محمّداً قد سقط في رحم اُمّه آمنة وقد مضى عليه شهر، ففرح بذلك الجبال والبحار والسماوات والأرضون.

آنذاك ورد على عبد المطّلب (عليه السلام) كتاب من يثرب يخبره بموت فاطمة بنت عبد المطّلب، وكان ممّا في طيّاته أنّها ورّثت مالاً كثيراً خطيراً، فاخرج أسرع ما تقدر عليه.

فقال عبد المطّلب لولده عبد الله: يا ولدي لابدّ لك أن ترافقني إلى المدينة، فسافر مع والده ودخلا مدينة يثرب فاستلم عبد المطّلب المال. ولمّا مضى من على دخولهما المدينة عشرة أيّام اعتلّ عبد الله علّة شديدة، وبقي خمسة عشر يوماً وفي اليوم السادس عشر مات عبد الله، فبكى عليه أبوه عبد المطّلب بكاءً مرّاً وشقّ سقف البيت لأجله في دار فاطمة بنت عبد المطّلب آنذاك، وبينما كان عبد المطّلب غارق في أحزانه إذا بهاتف يهتف ويقول: قد مات من كان في صلبه خاتم النبيين وأي نفر لا يموت، فقام عبد المطّلب فغسّله وكفّنه ودفنه في محلّة يقال لها (شين) وبنى على قبره قبّة عظيمة من جص وآجر(45).

وفي رواية: إن عبد الله خرج إلى الشام في عير(46) من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثمّ انصرفوا، فمرّوا بالمدينة وعبد الله بن عبدالمطّلب يومئذ مريض فقال: أتخلّف عند أخوالي بني عدي بن النجّار، فأقام عندهم مريضاً شهراً، ومضى أصحابه فقدموا مكّة، فسألهم عبد المطّلب عن عبد الله، فقالوا: خلّفناه عند أخواله بني عدي بن النجّار وهو مريض.

فبعث إليه عبد المطّلب أعظم ولده الحارث فوجده قد توفّي في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد(47) عليه عبدالمطّلب وإخوته وأخواته وجداً شديداً ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يومئذ حمل ولعبد الله يوم توفّي خمس وعشرون سنة(48).

السيّدة آمنة (عليها السلام) تفجع بزوجها

عندما وصل خبر وفاة عبد الله إلى السيّدة آمنة (عليها السلام) بكت بكاءً مرّاً وحزنت عليه حزناً شديداً، ودعت بالنائحات ينحن عليه ويندبنه.

وقد جاءها بعد ذلك عبد المطّلب (عليه السلام) إلى دارها وطيّب خاطرها وهدّأ من روعها، ووهب لها ألف درهم بيض وتاجين قد اتّخذهما عبد مناف لبعض بناته وقال لها: يا آمنة لا تحزني فإنّك عندي جليلة لأجل من في بطنك ورحمك فلا تهتك أمرك(49).

وفاة السيدة آمنة (عليها السلام)

روي إنّه لمّا كبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ردّته مرضعته السيّدة حليمة السعدية إلى اُمّه فافتطمته وأخذته إلى أخواله من بني عدي بن النجّار بالمدينة، ثمّ رجعت به حتّى بلغا «الأبواء»(50) فماتت بها (سلام الله عليها) فيتم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وكان عمره آنذاك ست سنين..

فرجعت به(صلى الله عليه وآله وسلم)اُمّ أيمن إلى مكّة المكرّمة وكانت تحضنه.

وورث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من والدته كل من: اُمّ أيمن وخمسة جمال أوداك(51) وقطيعة غنم، فلمّا تزوّج بخديجة (عليها السلام) أعتق اُمّ أيمن(52).

وروي أنّ السيّدة آمنة (عليها السلام) لمّا قدمت برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة نزلت به في دار النابغة وهو رجل من بني عدي بن النجّار، فأقامت بها شهراً، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يذكر له اُموراً كانت تدلّ على سمو مقامه ورفعة درجته عند الله تعالى.

منها: إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: نظرت إلى رجل من اليهود يختلف وينظر إليّ ثمّ ينصرف عنّي، فلقيني يوماً خالياً، فقال لي: يا غلام ما اسمك؟

قلت: أحمد. فنظر إلى ظهري فسمعته يقول: هذا نبي هذه الاُمّة، ثمّ راح إلى أخوالي فخبّرهم الخبر، فأخبروا اُمّي فخافت عليّ وخرجنا من المدينة(53).

من فضائل السيّدة آمنة (عليها السلام)

ممّا يؤسف له حقّاً أنّ سيرة اُمّهات المعصومين (عليهم السلام)وفضائلهم الرفيعة مجهولة في التاريخ عادة، وعند المسلمين أيضاً، ففي أهم المصادر التاريخية لا يكاد يجد الإنسان شيئاً إلا القليل عن تاريخ هؤلاء النسوة الأخيار، وكيف أنّهنّ كنّ يخدمن المعصومين (عليهم السلام)ويجهدن بكل ما لديهم من طاقة من أجل رعاية أبنائهنّ المعصومين (عليهم السلام)وإن كانت عناية السماء ترعاهم وتسدّدهم قبلهم.

ولكن القرائن الكثيرة هي التي تدل على عظيم مقامهن، فالسيّدة آمنة(عليها السلام) يمكن معرفة شيء من عظمتها وجلالتها عبر هذه القرائن وغيرها:

1: إنّها (عليها السلام) كانت في سلسلة الأرحام المطهّرة التي ورد ذكرها في الروايات الشريفة.

2: إنّها (عليها السلام) كانت زوجة لعبد الله(عليه السلام) والد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا توفيق خاصّ لا تناله إلاّ من كانت لها حظّ عظيم.

3: إنّها (عليها السلام) حملت برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وكانت له وعاءً ضمّته تسعة أشهر.

4: إنّها (عليها السلام) أصبحت اُمّاً لسيّد الكونين ورسول العالمين محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

5: إنّها (عليها السلام) كانت تكنف الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)وترعاه من كيد المناوئين طيلة أيّام حياتها.

6: إنها (عليها السلام) قد ترحّم عليها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وزار قبرها وبكى عليها عند ذلك.

ففي التاريخ إنّه لمّا توفّيت آمنة رجعت اُمّ أيمن بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مكّة، ثمّ إنه لمّا مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في عمرة الحديبية بالأبواء قال: إنّ الله قد أذن لي في زيارة قبر اُمّي فأتاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأصلحه وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقيل له، فقال: أدركتني رحمة رحمتها فبكيت(54).

7: إنها (عليه السلام) يستحب الطواف عنها لقضاء الحوائج.

ففي الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يدلّ بوضوح على أنّ للسيّدة آمنة(عليها السلام) مقاماً عظيماً عند الله وأنّها من صفوة أولياء الله الذين يتوسّل بهم لقضاء الحوائج.

فعن داود الرقّي قال: «دخلت على أبي عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولي على رجل مال قد خفت تواه فشكوت إليه ذلك، فقال لي: إذا صرت بمكّة فطف عن عبد المطّلب طوافاً وصلّ ركعتين عنه، وطف عن أبي طالب طوافاً وصلّ عنه ركعتين، وطف عن عبد الله طوافاً وصلّ عنه ركعتين، وطف عن آمنة طوافاً وصلّ عنها ركعتين، وطف عن فاطمة بنت أسد طوافاً وصلّ عنها ركعتين، ثمّ ادع أن يردّ عليك مالك، قال: ففعلت ذلك، ثمّ خرجت من باب الصفا وإذا غريمي واقف يقول: يا داود حبستني تعال اقبض مالك»(55).

دفع شبهة

ممّا يؤسف له أنّ البعض من الناس يذهب إلى أنّ السيّدة آمنة بنت وهب(عليها السلام) والدة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم تكن مؤمنة، ويزعمون أنها قد ماتت على ذلك، ولولا أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)استشفع لها واستوهبها من الله فوهبها له، لكانت من المخلّدين في الجحيم!.

ولم يقتصر هؤلاء على ذلك وإنّما أخذوا يفسرون بعض الروايات كما يشاؤون ويستدلون بتفسيرهم على ذلك.

منها: قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي مستوهب من ربّي أربعة، وهو واهبهم لي إن شاء الله تعالى: آمنة بنت وهب، وعبد الله بن عبد المطّلب وأبو طالب بن عبد المطّلب، ورجل من الأنصار جرت بيني وبينه ملحة»(56).

ولكن في المقابل ينبغي الالتفات إلى الاُمور التالية:

أولا: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بنفسه يصرّح في أكثر من حديث أنّه كان يتنقّل من الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهّرة، وهذا ينافي الشرك الذي هو دنس ورجس، ففي الحديث الشريف عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»(57).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله أخرجني ورجلاً معي من طُهر إلى طُهر، من صلب آدم حتّى خرجنا من صلب أبينا، فسبقته بفضل هذه على هذه وضمّ بين السبّابة والوسطى وهو النبوّة»(58).

فقيل له: ومن هو يا رسول الله؟

قال: «علي بن أبي طالب»(59).

فكيف يصف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)الرحم الذي كان فيه بالطهر والحال أنّ الآية الكريمة تصرّح بنجاسة المشركين فتقول: (إنّما المشركون نجس((60)، فيعلم من هذا أن آمنة (عليها السلام) كانت مؤمنة بالله عزوجل وموحدة لرب العالمين على دين إبراهيم (عليه السلام).

ثانياً: نفس الحديث الذي استدلّوا به يدلّ على إيمان السيّدة آمنة(عليها السلام)، إذ أنّه كيف يستوهب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لمشرك وإن كانت اُمّه، والحال إنّ الله قد نهى عن موادّتهم والشفاعة أو الدعاء لهم.

ثالثاً: ممّا يؤيّد القول بإيمان السيّدة آمنة (عليها السلام) هي الروايات الصريحة التي تنصّ على أنّ الله قد حرّم النار على بطن حمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «نزل جبرئيل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول: إنّي قد حرّمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك، فالصلب الذي أنزلك فعبد الله بن عبد المطّلب، والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأمّا الحجر الذي كفلك فحجر أبي طالب»(61).

وعن أنس بن مالك قال: أتى أبوذرّ يوماً إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: ما رأيت كما رأيت البارحة.

قالوا: وما رأيت البارحة؟

قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ببابه، فخرج ليلاً فأخذ بيد علي بن أبي طالب(عليه السلام) وقد خرجا إلى البقيع، فما زلت أقفو أثرهما إلى أن أتيا مقابر مكّة، فعدل إلى قبر أبيه فصلّى عنده ركعتين، فإذا بالقبر قد انشقّ وإذا بعبد الله جالس وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.

فقال له: مَن وليّك يا أبة؟

فقال: وما الولي يا بنيّ؟

قال: هو هذا علي.

قال: وإنّ علياً ولييّ.

قال: فارجع إلى روضتك.

ثمّ عدل إلى قبر اُمّه، فصنع كما صنع عند قبر أبيه، فإذا بالقبر قد انشقّ، فإذا هي تقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك نبي الله ورسوله.

فقال لها: مَن وليّك يا اُمّاه؟

فقالت: ومَن الولي يا بني؟

فقال: هو هذا علي بن أبي طالب.

فقالت: إنّ علياً وليّي.

فقال: ارجعي إلى حفرتك وروضتك.

فكذّبوه، ولبّبوه(62)، وقالوا: يا رسول الله كذب عليك اليوم.

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): وما كان من ذلك؟

قالوا: إنّ جندب حكى عنك كيت وكيت.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر»(63).

وهذا يؤيّد بوضوح أنّها (عليها السلام) كانت مؤمنة، وقد كمل إيمانها بالإقرار بولاية علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّ الله تعالى أوجب النار على المشركين والكفّار كما دلّت عليه الآيات والأخيار.

رابعاً: زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لقبرها وترحّمه عليها يدلّ أيضاً على أنّها كانت مؤمنة بالله عزّوجلّ، ففي الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «استأذنت ربّي في زيارة اُمّي، فأذن لي، فزوروا القبور تذكّركم الموت»(64).

وهذا وغيره أيضاً يدل على استحباب زيارة القبور، على تفصيل مذكور في محله.

بناء الأضرحة والقباب

قبر السيدة آمنة بنت وهب (عليها السلام) في منطقة الأبواء، وهي قرية بين مكّة والمدينة، وقد ولد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بها.

ومن اللازم أن يسعى المؤمنون والمسلمون كافة لبناء ضريح السيدة آمنة(عليها السلام) والدة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإن ترك القبر هكذا لا يليق بشأنها العظيم وشأن ولدها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد زار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قبر أمه، وأمر بزيارتها.

قال تعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً} (65).


دمتم بعين الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) علل الشرائع: ج1 ص208 ب156 ح11.

(2) زجّ: رمي به، لسان العرب مادّة زجج.

(3) إرشاد القلوب: ج2 ص415.

(4) بحار الأنوار: ج97 ص187 ب3 زيارته (صلى الله عليه وآله وسلم) من البعيد.

(5) بحار الأنوار: ج98 ص200 ب18 زيارته صلوات الله عليه.

(6) المراد بالزهرية: آمنة (عليها السلام)، أي إنها لم تسلب ثوبيك فقط حين قاربتها وإنما سلبت منك شيئاً عظيما وهو نور النبوة التي كان في صلبك.

(7) مناقب آل أبي طالب: ج1 ص26.

(8) بحار الأنوار: ج15 ص90.

(9) مسيل فيه دقاق الحصى، والجمع الأباطح والبطاح، معجم البلدان: ج1 ص444.

(10) الخرائج والجرائح: ج1 ص129.

(11) راجع بحار الأنوار: ج15 ص97.

(12) بحار الأنوار: ج15 ص281.

(13) راجع بحار الأنوار: ج15 ص281.

(14) راجع بحار الأنوار ج15 ص97.

(15) زرقاء اليمامة بنت مرهل كاهنة اليمامة وداهية الدهياء.

(16) الذؤابة: المضفورة من شعر، كتاب‏ (العين) ‏مادة ذأب .

(17) بحار الأنوار ج15 ص322.

(18) كمال الدين: ج1 ص175 ح33.

(19) الصومعة: منار الراهب، (لسان العرب) مادّة صمع.

(20) بحار الأنوار: ج15 ص284.

(21) الكافي ج8 ص302 ح460.

(22) السعفات جمع سعفة بالتحريك: جريدة النخل ما دامت بالخوص. (مجمع البحرين) مادّة سعف.

(23) هَجَر: بلدة باليمن واسم لجميع أرض البحرين وقرية كانت قرب المدينة، كتاب (العين) مادّة هجر.

(24) روضة الواعظين: ج1 ص81.

(25) النافجة المسك: سمّيت بذلك لنفاستها، (مجمع البحرين) مادّة نفج.

(26) القطا: طائر معروف سمّي بذلك لثقل مشيه، (لسان العرب) مادّة قطو.

(27) بحار الأنوار ج15 ص272.

(28) الكافي: ج1 ص454 باب مولد أمير المؤمنين(عليه السلام) ح3.

(29) بحار الأنوار: ج15 ص287.

(30) انظر أيضاً: وسائل الشيعة: ج10 ص456 ح13835، وبحار الأنوار: ج15 ص248 ح1.

(31) الصر: عصفور أو طائر، (مجمع البحرين) مادّة صرر.

(32) بحار الأنوار ج15 ص269.

(33) الشرفة: ما يوضع على أعالي القصور والمدن، انظر (لسان العرب) مادّة (شرف).

(34) الموبذان للمجوس: كقاضي القضاة للمسلمين، انظر (لسان العرب) مادّة (موبذ).

(35) الأمالي للصدوق: ص285 المجلس الثامن والأربعون ح1.

(36) الجلبة: الأصوات، لسان العرب مادّة جلب.

(37) كمال الدين: ج1 ص175 ح33.

(38) أي تزيّنت. انظر لسان العرب: مادّة (نجد).

(39) أي شُدّ، (لسان العرب) مادّة (زمم).

(40) أي القيد الضخم، (لسان العرب) مادّة (كبل).

(41) الأمالي للصدوق: ص601 المجلس الثامن والثمانون ح1.

(42) الأمالي للصدوق: ص286 المجلس الثامن والأربعون ح1.

(43) الفضائل: ص18.

(44) الفضائل: ص19.

(45) راجع بحار الأنوار: ج15 ص283.

(46) العير: القافلة، (لسان العرب) مادّة عير.

(47) الوجد: الحزن، كتاب (العين) مادّة وجد.

(48) بحار الأنوار: ج15 ص125.

(49) راجع الفضائل: ص14.

(50) الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة ممّا يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، معجم البلدان: ج1 ص79.

(51) أي السمينة (لسان العرب) مادة ودك.

(52) بحار الأنوار: ج15 ص116 ح61.

(53) العدد القوية: ص126.

(54) بحار الأنوار ج15 ص162.

(55) الكافي ج4 ص544 باب النوادر ح21.

(56) قرب الإسناد: ص27.

(57) القصص للجزائري: ص108.

(58) الأمالي للطوسي: ص340 المجلس الثاني عشر .

(59) الأمالي للطوسي: ص340 المجلس الثاني عشر.

(60) سورة التوبة: 28.

(61) الكافي: ج1 ص446 باب مولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ووفاته ح21.

(62) لبّبوه: أخذوا بتلابيبه، (مجمع البحرين) مادّة: لبب.

(63) علل الشرائع: ج1 ص176 ح1.

(64) كشف الغمّة ج1 ص16.

(65) سورة الأحزاب: 21.


صورة
]
صورة العضو الرمزية
لواء المؤمل
صادقي متقدم
صادقي متقدم
Posts in topic: 1
مشاركات: 5785
اشترك في: السبت مارس 29, 2008 6:47 pm
الراية: أخ حسيني

مشاركة غير مقروءة بواسطة لواء المؤمل » الثلاثاء مارس 30, 2010 6:44 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
الصلاة والسلام عليك يا رسول الله
بارك الله بكم وحفظكم من كل سوء
صورة العضو الرمزية
جابر عبد الله
مستبصر
مستبصر
Posts in topic: 1
مشاركات: 230
اشترك في: الأحد مارس 07, 2010 3:28 pm
الراية: أخ حسيني

مشاركة غير مقروءة بواسطة جابر عبد الله » الثلاثاء مارس 30, 2010 6:58 pm

بسم الله الرحمن الرحيم و له الحمد.
اللهم صل على محمد و آل محمد .
موضوع رائع و اختيار موفق ، فإن كثيرا من أمهات المعصومين في حاجة الى التعريف بهم .
وفقك الله لاكمال هذه السلسلة الهامة
يا فطمة الزهراء يا بنت محمد ، يا قرة عين الرسول ، يا سيدتنا و مولاتنا ، إنا توجهنا و استشفعنا و توسلنا بك الى الله ، و قدمناك بين يدي حاجاتنا ،
يا وجيهة عند الله ، اشفعي لنا عند الله
.
صورة
أنوار المنتظر
الكادر الاداري
الكادر الاداري
Posts in topic: 4
مشاركات: 27486
اشترك في: الأربعاء إبريل 18, 2007 1:42 am
الراية: أخت زينبية

مشاركة غير مقروءة بواسطة أنوار المنتظر » الثلاثاء مارس 30, 2010 10:21 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

بارك الله فيكم غاليتي ووفقكم الله لكل خير
وان شاء الله من المتابعين
وفقكم الله
اعــرف الحــق تعــرف أهلــه
صورة العضو الرمزية
صبراً آل محمد
عضـوة شـرف
عضـوة شـرف
Posts in topic: 1
مشاركات: 5199
اشترك في: الأحد مارس 09, 2008 10:09 pm
الراية: أخت زينبية
مكان: بين الأطهار
اتصال:

مشاركة غير مقروءة بواسطة صبراً آل محمد » الأربعاء مارس 31, 2010 4:04 am

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
اللهم عجل لوليك الفرج ,,

بحث مطول وان شاء الله من المتابعين له
بارك الله فيكٍ وفي ميزان حسناتكٍ يارب

موفقين لكل خير ان شاء الله
صورة
صورة العضو الرمزية
علي110
عضـو شـرف
عضـو شـرف
Posts in topic: 3
مشاركات: 6525
اشترك في: الاثنين نوفمبر 24, 2008 1:42 pm
الراية: أخ حسيني

مشاركة غير مقروءة بواسطة علي110 » الأربعاء مارس 31, 2010 9:46 am

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

أحسنتم أختنا الفاضلة وبارك بكم
ما شاء الله .. موضوع قيم
جزاكم الله خيراً
وفقكم الله لمايحبه ويرضاه
دمتم بحفظ الله ورعايته
موفقين
صورة العضو الرمزية
نينوى
مدير منتديات السادة نت المباركة
مدير منتديات السادة نت المباركة
Posts in topic: 1
مشاركات: 42892
اشترك في: الجمعة مايو 20, 2005 12:17 am
الراية: أخت زينبية

مشاركة غير مقروءة بواسطة نينوى » الأربعاء مارس 31, 2010 1:54 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

نِعمَ الناقل ونِعمَ المنقول ..
جزاك الله خيراً ..زادكِ الله نور من ال محمد عليهم السلام
وشكراً لك ..
صورة
صورة العضو الرمزية
مولاتي الزهرة
المراقب العام
المراقب العام
Posts in topic: 1
مشاركات: 16302
اشترك في: الجمعة مارس 28, 2008 6:23 pm
الراية: أخت زينبية
اتصال:

مشاركة غير مقروءة بواسطة مولاتي الزهرة » الأربعاء مارس 31, 2010 2:58 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

أحسنت وبارك الله بك
وجزاك الله الفردوس في أعلى الجنان
نحن الشيعة الأبية شجاعتنا نبوية غيرتنا حيدرية حشمتنا فاطمية

آدابنا حسنية كرامتنا حسينية عزتنا زينبية أدعيتنا سجادية

علومنا باقرية أحاديثنا جعفرية سجداتنا كاظمية صلواتنا رضوية

كراماتنا جوادية أنباؤنا هادية حكمتنا عسكرية انتصاراتنا مهدوية
صورة العضو الرمزية
وهج الإيمان
مشرفات السادة
مشرفات السادة
Posts in topic: 25
مشاركات: 6489
اشترك في: الاثنين أغسطس 20, 2007 5:40 pm
الراية: أخت زينبية

مشاركة غير مقروءة بواسطة وهج الإيمان » الأربعاء مارس 31, 2010 5:08 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
حضور مبارك

شرفتم صفحتي جميعآ ، أتمنى لكم تمام الإستفادة من هذا الكتاب القيم لمؤلفة الراحل الشيرازي رحمه الله

الى الحلقه القادمة
صورة
]
صورة العضو الرمزية
وهج الإيمان
مشرفات السادة
مشرفات السادة
Posts in topic: 25
مشاركات: 6489
اشترك في: الاثنين أغسطس 20, 2007 5:40 pm
الراية: أخت زينبية

مشاركة غير مقروءة بواسطة وهج الإيمان » الأربعاء مارس 31, 2010 5:34 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

- الحلقة الثانية-

السيدة خديجة (عليها السلام) والدة الصديقة فاطمة الزهراء(عليها السلام)

النسب الشريف

هي السيّدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.

وعلى هذا فإن السيدة خديجة تلتقي بنسبها مع النبي العظيم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)عند الجد الأكبر (قصي).

من مقامات السيدة خديجة (عليها السلام)


من الاُمور المتَفق عليها عند الجميع أنَ السيدة خديجة(عليها السلام) كانت خير نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وذلك بتصريح من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من مرَة، وهذا إنما يدل على علو مقامها وجلالة قدرها (سلام الله عليها).

فعن عائشة قالت: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوَّضك الله من كبيرة السن!.

قالت: فرأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)غضب غضباً شديداً، فسقطت في يدي فقلت: اللهمَ إنَك إن أذهبت بغضب رسولك(صلى الله عليه وآله وسلم)لم أعد بذكرها بسوء ما بقيت.

قالت: فلمَا رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ما لقيت قال: كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدَّقتني إذ كذَّبني الناس، ورزقت منّي الولد حيث حرمتموه.

قالت: فغدا وراح عليّ بها شهراً(1).

وفضلاً عن ذلك كله، فهناك العديد مما يدل على علو مقام السيدة خديجة(عليها السلام) نشير إلى بعضها:

1: اصطفاء الباري تعالى لها، حيث جعلها من النساء المختارات.

عن أبي الحسن الأول(عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله اختار من النساء أربعاً: مريم وآسية وخديجة وفاطمة»(2).

2: إنها (عليها السلام) أوّل من أسلمت من النساء وآمنت برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)منهن، وأوّل من صلّت خلفه(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).

عن عفيف قال: كنت امرأ تاجراً فقدمت منى أيام الحج وكان العباس بن عبد المطلب امرأ تاجرا فأتيته أبتاع منه وأبيعه، قال: فبينا نحن إذا خرج رجل من خبأ يصلي فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي وخرج غلام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين، إن هذا الدين ما ندري ما هو؟

فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر يستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به(4).

وروى السيد بن طاوس عن كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد عن الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألت عن بدء الإسلام كيف أسلم علي(عليه السلام) وكيف أسلمت خديجة؟

فقال: «تأبى إلا أن تطلب أصول العلم ومبتدأه، أما والله إنك لتسأل تفقها».

ثم قال: «سألت أبي (عليه السلام) عن ذلك فقال لي: لما دعاهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يا علي ويا خديجة أسلمتما لله وسلمتما له، وقال: إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الإسلام فأسلما تسلما وأطيعا تهديا».

فقالا: «فعلنا وأطعنا يا رسول الله».

فقال: «إن جبرئيل عندي يقول لكما: إن للإسلام شروطا وعهودا ومواثيق فابتدئاه بما شرط الله عليكما لنفسه ولرسوله أن تقولا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه في ملكه، لم يتخذ ولدا ولم يتخذ صاحبة، إلهاً واحداً مخلصاً، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة بين يدي الساعة، ونشهد أن الله يحيي ويميت ويرفع ويضع ويغني ويفقر ويفعل ما يشاء ويَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ».

قالا: «شهدنا» الحديث(5).

3: تخصيص الباري لها بالسلام، فقد بلغ من قداسة السيدة خديجة (عليها السلام) عند الله تعالى أنّه عزّوجلّ كان يخصّها بالسلام.

ففي الحديث أنّ جبرئيل أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فسأل عن خديجة فلم يجدها، فقال: إذا جاءت فأخبرها أنّ ربّها يقرؤها السلام(6).

وروي أنه أتى جبرئيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: هذه خديجة قد أتتك معها إناء مغطّى فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب(7).

4: بشارة الله وجبرائيل لها ببيت عظيم في الجنة، كما مر في الحديث الشريف السابق.

5: كثرة ثناء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على السيدة خديجة (عليها السلام) كما مر في الحديث عن عائشة.

وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت السيدة خديجة (عليها السلام) عزيزة عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتتمتع بمكانة خاصة في قلبه، حيث كان(صلى الله عليه وآله وسلم)يحبّها حبّاً جمّاً، ويعتزّ بها، ويقدر مواقفها المشرفة، والشواهد على ذلك كثيرة، منها:

إنّ عجوزاً دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فألطفها، فلمّا خرجت سألته عائشة، فقال: «إنّها كانت تأتينا في زمن خديجة وإنّ حسن العهد من الإيمان»(8).

وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: «ذكر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خديجة يوماً وهو عند نسائه، فبكى، فقالت عائشة: ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بني أسد؟

فقال: صدّقتني إذ كذبتم، وآمنت بي إذ كفرتم، وولدت لي إذ عقمتم.

قالت عائشة: فما زلت أتقرّب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بذكرها»(9).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لمّا توفّيت خديجة (عليها السلام) جعلت فاطمة (عليها السلام) تلوذ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتدور حوله وتقول: يا أبت أين اُمّي؟

قال: فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال له: ربّك يأمرك أن تقرأ فاطمة السلام وتقول لها: إنّ اُمّك في بيت من قصب، كعابه من ذهب، وعمده ياقوت أحمر، بين آسية ومريم بنت عمران.

فقالت فاطمة (عليها السلام): إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام»(10).

وعن عبد الرحمن بن ميمون عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: (أول من آمن برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من الرجال علي (عليه السلام) ومن النساء خديجة(عليها السلام))(11).

بل إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وكما في التاريخ ـ أطلق على العام الذي توفّيت فيه السيّدة خديجة وأبو طالب (عليهما السلام) «عام الحزن»(12)، وهذا خير دليل على معزّته (صلى الله عليه وآله وسلم)لهما.

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يذكّر بفضائلها

وليس ذلك فحسب، وإنَما بقي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعد أن توفّيت السيدة خديجة(عليها السلام) يتذكّرها ويترحّم عليها ويشيد بفضائلها الكثيرة ويدافع عنها.

فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة (عليها السلام) تصايحها وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلاّ أنّ لاُمّك علينا فضلاً، وأي فضل كان لها علينا؟ ما هي إلاّ كبعضنا.

فسمع مقالتها فاطمة(عليها السلام)، فلمّا رأت فاطمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بكت.

فقال لها: ما يبكيك يا بنت محمّد؟

قالت: ذكرت اُمّي فتنقّصتها، فبكيت.

فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ثم قال: مه ياحميراء، فإنّ الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود، وإنّ خديجة رحمها الله ولدت منّي طاهراً وهو عبد الله وهو المطهّر، وولدت منّي القاسم وفاطمة ورقية واُمّ كلثوم وزينب، وأنت ممّن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئاً(13).

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يصبّرها

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على خديجة حين مات القاسم أبنها وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟

فقالت: درّت دريرة فبكيت.

فقال: يا خديجة أما ترضين إذا كان يوم القيامة أن تجيء إلى باب الجنّة وهو قائم فيأخذ بيدك فيدخلك الجنّة وينزلك أفضلها، وذلك لكل مؤمن، إنّ الله عزّوجلّ أحكم وأكرم أن يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذّبه بعدها أبداً»(14).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لمّا توفّي طاهر ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خديجة عن البكاء.

فقالت: بلى يا رسول الله ولكن درّت عليه الدريرة فبكيت.

فقال لها: أما ترضين أن تجديه قائماً على باب الجنّة فإذا رآك أخذ بيدك فأدخلك أطهرها مكاناً وأطيبها؟

قالت: وإنّ ذلك كذلك؟

قال: فإنّ الله أعزّ وأكرم من أن يسلب عبداً ثمرة فؤاده فيصبر ويحتسب ويحمد الله عزّوجلّ ثم يعذّبه»(15).

حاجة جبرائيل


عن أبي سعيد الخدري: (إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إنّ جبرئيل(عليه السلام) قال لي ليلة اُسري بي حين رجعت وقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة؟

قال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومنّي السلام.

وحدّثنا عند ذلك أنّها قالت حين لقيها نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال لها الذي قال جبرئيل، قالت: إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام وعلى جبرئيل السلام)(16).

خير النساء

عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير نسائها خديجة وخير نسائها مريم»(17).

وعن ابن عباس قال: خط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أربع خطط ثم قال: «خير نساء الجنّة مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون»(18).

معرفة خديجة بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

يذكر أنّ الأحبار كانوا يتردّدون على السيدة خديجة (عليها السلام) وذلك لمكانتها الاجتماعية والاقتصادية، وكانت (عليها السلام) تكرمهم وتفيض عليهم من خيراتها الطائلة.

وفي أحد الأيام وبينما كان أحد الأحبار في بيتها وهي جالسة مع جماعة من نسائها وجواريها إذا بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يمرّ، فنظر إليه ذلك الحبر وقال: يا خديجة قد مرّ الآن بدارك شاب حدث السن، فأمري من يأتي به.

فأرسلت إليه جارية من جواريها وقالت: يا سيدي مولاتي تطلبك.

فأقبل(صلى الله عليه وآله وسلم)ودخل منزل خديجة.

فقالت: أيّها الحبر هذا الذي أشرت إليه؟

قال: نعم هذا محمّد بن عبد الله.

وقال: طوبى لمن تكون لـه بعلاً وتكون لـه زوجة وأهلاً، فقد حازت شرف الدنيا والآخرة.

فتعجّبت السيّدة خديجة، وانصرف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد اشتغل قلبها بحبّه، وكانت السيّدة خديجة ملكة عظيمة ولها من الأموال والثروة الطائلة ما لا يحصى، فقالت: أيّها الحبر بم عرفت أنه نبي؟

قال: وجدت صفاته في التوراة أنه المبعوث آخر الزمان يموت أبوه واُمّه ويكفله جدّه وعمّه وأنّه سيتزوّج بامرأة من قريش سيدة قومها وأشار بيده إليها، ثم قال لها: احفظي ما أقول لك يا خديجة.

فلمّا سمعت السيّدة خديجة ما نطق به الحبر تعلّق قلبها بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر وكتمت أمرها.

فلمّا أراد الخروج من عندها قال: اجتهدي أن لا يفوتك محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فهو الشرف في الدنيا والآخرة(19).

الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يتاجر بأموال خديجة


كان أبو طالب (عليه السلام) قد كبر وضعف عن السفر وترك ذلك منذ أن كفل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي أحد الأيام دخل عليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فوجده حزيناً مهموماً، فقال: ما لي أراك يا عم مهموماً؟

فقال: يا بن أخي إنه لا مال لنا وقد ضاق بنا الزمان وليس لنا مادّة وقد كبرت وضعف جسمي وقلّ ما بيدي وأرى أنّ الأجل قد قرب منّي ولا اُحب أن أموت قبل أن أرى لك زوجة يا ولدي لتسكن إليها.

فقال لـه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما هو الرأي عندك يا عم؟

قال: اعلم يا بن أخي أنّ خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس وهي تعطي أموالها لجميع من يسألها ليسافروا للتجارة به، فهل لك يا بن أخي أن تمضي معي إليها ونسألها أن تعطيك مالاً تتّجر فيه؟

فقال: نعم، قم إليها وافعل ما بدا لك(20).

وبعد أن اتّفق أبو طالب مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على أن يعمل في تجارة خديجة، أشار عليه أعمامه بأن يذهب معهم إلى دارها ليخبروها بالخبر.

وبالفعل فقد قصد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأعمامه دار السيدة خديجة وطرقوا الباب، فاستقبلتهم استقبالاً حافلاً.

وبعثت إليهم (ميسرة) ليرحّب بهم ويقدّم لهم مستلزمات الضيافة اللازمة فأكلوا وشرعوا في الحديث.

فقالت لهم السيّدة خديجة من وراء الحجاب: لعلّ لكم حاجة فتقضى، فإنّ حوائجكم مقضية.

فقال أبو طالب (عليه السلام): جئناك في حاجة يعود نفعها إليك وبركتها عليك.

قالت: وما ذلك؟

قال: جئناك في أمر ابن أخي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقالت: أين هو محمّد حتى نسمع ما يقول؟

فقال العباس: أنا آتيكم به.

فنهض وسار يبحث عنه فلم يجده، فالتفت يميناً وشمالاً، فتساءل منه الناس وقالوا: ما تريد؟

فقال: اُريد محمّداً.

فقالوا له: في جبل حرى(21).

فسار إليه فإذا هو فيه، نائماً في مرقد إبراهيم الخليل (عليه السلام) ملتفّاً ببردة وعلى رأسه ثعبان عظيم، فلمّا نظر إليه العباس قال: خشيت عليه من الثعبان فسللت سيفي وهممت بالثعبان فحمل عليّ، ولمّا رأى العباس ذلك صاح برفيع صوته: أدركني يا بن أخي.

ففتح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عينيه فذهب الثعبان.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما لي أرى سيفك مسلولاً يا عم؟

قال: رأيت هذا الثعبان عندك فسللت سيفي وقصدته خوفاً عليك منه فخشيت على نفسي الغلبة فصحت بك ولمّا فتحت عينك ذهب كأنه لم يكن.

فتبسّم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: يا عم ليس هذا بثعبان، ولكنّه ملك من الملائكة ولقد رأيته مراراً وخاطبته جهاراً وقال لي: يا محمد إنّي ملك من عند ربّي موكّل بحراستك في الليل والنهار من كيد الأعداء والأشرار.

فقال العباس: ما ينكر فضلك يا محمد؟

فقال له: لنذهب إلى دار خديجة بنت خويلد لتكون أميناً على أموالها.

فسارا معاً إلى دارها، فجاءت السيّدة خديجة لتنظر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا دخل المجلس نهض أعمامه إجلالاً لـه وأجلسوه في أوساطهم، فلمّا استقرّ بهم المجلس قدّمت لهم الطعام فأكلوا ورحّبت بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقالت: أترضى أن تكون أميناً على أموالي تسير بها حيث شئت؟

قال: نعم رضيت.

ثم قال: اُريد الشام.

قالت: ذلك إليك.

ثمّ إنّ السيّدة خديجة خاطبت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قائلة: تحسن أن تشدّ على الجمل وترفع عليه الأحمال؟

قال: نعم.

فقالت: يا ميسرة إيتني ببعير حتى أنظر كيف يشدّ عليه محمد؟

فخرج ميسرة وأتى ببعير قوي لم يجسر أحد من الرعاة أن يخرجه من بين الإبل لشدّة بأسه فأدناه ليركبه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فهدر البعير واحمرّت عيناه.

فقال العباس لميسرة: ما كان عندك غير هذا البعير لتمتحن به ابن أخينا؟

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): دعه يا عم، فلمّا سمع البعير حديثه برك على قدميه وأخذ يمرّغ وجهه على قدمي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ونطق بلسان فصيح وقال: من مثلي وقد لمس ظهري سيد المرسلين!.

فقلن النسوة اللاتي كن عند خديجة: ما هذا إلاّ سحر عظيم.

فقالت لهم السيّدة خديجة: ليس هذا سحراً وإنّما هو آيات بيّنات وكرامات ظاهرات(22).

خديجة تعتني بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


بعد أن تعاهدت السيّدة خديجة(عليها السلام) مع أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على أن تخوّله أموالها وتضع كل ما لديها تحت اختياره، عمدت (سلام الله عليها) إلى غلمانها وجعلت توصيهم به وتحثّهم على طاعته وخدمته طيلة سفرهم وحضرهم، الأمر الذي يدلّ على عظم معرفتها بقدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقد نقل المؤرخون أنه: لمّا خرج أولاد عبد المطّلب وأخذوا في أهبّة السفر التفتت السيّدة خديجة(عليها السلام) إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقالت: ألا تملك غير هذه الثياب؟ فليست هذه تليق للسفر.

فقال: لست أملك غيرها.

فبكت خديجة وقالت: عندي ما يصلح للسفر غير أنّهنّ طوال فانتظر حتى أقصرها لك.

فقبل(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك وكان إذا لبس القصير يطول، وإذا لبس الطويل يقصر كأنه مفصّل عليه.

فأخرجت لـه ثوبين من قباطي(23) مصر، وجبّة(24) عدنية، وبردة(25) يمنية، وعمامة عراقية، وخفّين من الأديم، وقضيب خيزران، فلبس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الثياب وخرج كأنه البدر في تمامه.

ثمّ إنّ السيدة خديجة(عليها السلام) قالت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أعندك ما تركب عليه؟

قال: إذا تعبت ركبت أي بعير أردت.

فقالت: لا، كانت الأموال دونك.

ثم قالت لعبدها ميسرة: إيتني بناقتي الصهباء حتى يركبها، فأتى بها ميسرة وقد كانت لا يلحقها في سيرها تعب ولا يصيبها نصب.

ثم إنّها التفتت إلى غلاميها ميسرة وناصح وقالت لهما: اعلما أنّني قد أرسلت إليكما أميناً على أموالي وأنه سيد قريش فلا تخالفا أمره، فإن باع لا يمنع، وإن ترك لا يؤم، وليكن كلامكما لـه بلطف وأدب، ولا يعلو كلامكما على كلامه.

فقال ميسرة: والله يا سيدتي إنّ لمحمد عندي محبّة عظيمة قديمة والآن قد تضاعف لمحبّتك له.

ثم إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودّع السيّدة خديجة وركب راحلته وخرج وميسرة وناصح بين يديه(26).

من معاجز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

عندما خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الشام للتجارة شاهد مرافقوه معاجز كثيرة أرشدتهم إلى عظمة شخصه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)ومدى قداسته عند الله تعالى، ونحن إذا أردنا التطرّق إلى هذه المعاجز لطال بنا المقام ولكن نذكر الشيء القليل منها موضّحين كيف أنّ مثل هذه المعاجز للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)جعلت السيدة خديجة (عليها السلام) تتعرف على شخصيته(صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر فأكثر(27).

فقد روى المؤرخون أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سار مجدّاً للسير إلى الأبطح فوجد القوم منتظرين قدومه، فلمّا نظروا إلى جماله(صلى الله عليه وآله وسلم)استرّ المحبّ واغتمّ الحاسد.

ثم إنهّ(صلى الله عليه وآله وسلم)شاهد أموال السيّدة خديجة على الأرض ولم يحمل منها شيء فنادى في العبيد وقال: ما الذي منعكم عن شدّ رحالكم؟

قالوا: يا سيدنا لقلّة عددنا وكثرة متاعنا.

فأبرك(صلى الله عليه وآله وسلم)راحلته ونزل وصار يصيح بالبعير فيقول: بإذن الله تعالى، فتعجّب الناس من فعله.

فنظر العباس إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد احمرّت وجهه، فقال: كيف أترك الشمس تتعرّض لهذا الوجه الكريم، فعمد إلى خشبة وقال: لأتّخذن منها جحفة تظلّله من حرارة الشمس.

فأمر الباري تعالى الأمين جبرئيل (عليه السلام) أن يأمر رضوان كي يخرج الغمامة المختصّة بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل خلق آدم (عليه السلام) بألفي عام، فلمّا رأوا الناس الغمامة شخصت أبصارهم نحوها وقال العباس: إنّ محمداً لكريم على ربّه ولقد استغنى عن جحفتي.

ثم إنّ القوم ساروا حتى نزلوا بجحفة الوداع وحطّوا رحالهم ليلحق بهم المتأخرون، فقال أحدهم: يا قوم إنّكم سائرون إلى أرض كثيرة الأوعار(28) وليس لكم من تستشيرونه وترجعون إلى أمره، والرأي عندي أنّكم تقدمون عليكم رجلاً لتستندوا إلى رأيه وترجعوا إلى أمره.

فاختلف القوم كل يريد أن يقدّم زعيمه، إلى أن قال ميسرة: والله ما نقدّم إلاّ سيدنا محمّد بن عبد الله، وقال بنو هاشم: ونحن أيضاً نقدّم محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم).

فأراد أبو جهل أن يعارض في ذلك فانبرى لـه حمزة سيد الشهداء (عليه السلام) وحال دون مراده فتشادّا.

فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لعمّه حمزة: يا عمّاه دعوا القوم يسيرون أول النهار ونحن نسير آخره، فإنّ التقدّم لقريش(29).

في وادي الأمواه

ثم إنّهم ساروا إلى أن بعدوا عن مكة فنزلوا بوادٍ يقال لـه «وادي الأمواه» لأنه مجتمع السيول وأنهار الشام ومنه تنبع عيون الحجاز، فنزلوا وحطّوا رحالهم وإذا بالسحب قد اجتمعت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أخشى على أهل هذا الوادي أن يباغتهم السيل فيذهب بأموالهم، والرأي عندي أن نلوذ إلى هذا الجبل.

فقال لـه العباس: نعم ما رأيت يا بن أخي.

فأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن ينقلوا رحالهم إلى الجبل، ففعلوا إلاّ رجلاً من جمح وكان لـه مال كثير فأبى أن يتغيّر من مكانه وقال: ما أضعف قلوبكم تفرّون من شيء لم تروه؟!

فما استتمّ كلامه إلاّ وتراكمت السحب ونزل السيل وامتلأ الوادي وأصبح الرجل كأنه لم يكن.

وقد مكث القوم في ذلك المكان أربعة أيام والسيل يزداد، فقال ميسرة: يا سيدي هذه السيول لا تنقطع إلى شهر وإن أقمنا هاهنا نفد زادنا، والرأي عندي أن نرجع إلى مكة.

فلم يجبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى ذلك.

ثم إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)نام فرأى في منامه ملكاً يقول لـه: يا محمد لا تحزن إذا كان غداة غد مُر قومك بالرحيل وقف على حافّة الوادي فإذا رأيت الطير الأبيض قد خط بجناحه فاتبع الخط وأنت تقول: (بسم الله بالله) وأمر قومك أن يقولوا هذه الكلمة فمن قالها سلم ومن لم يقلها غرق.

فاستيقظ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو فرح مسرور، ثم أمر ميسرة أن ينادي في الناس بالرحيل فرحلوا.

فقال الناس: يا ميسرة وكيف نسير وهذا الماء لا تقطعه إلاّ السفن؟

فقال: أمّا أنا فإنّ سيّدي أمرني وأنا لا اُخالفه.

فقال القوم: ونحن أيضاً لا نخالفه.

فسار القوم، وتقدّم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ووقف على حافّة الوادي وإذا بالطير الأبيض قد أقبل من قمّة الجبل وخطّ بجناحيه خطاً أبيض يلمح، فشمّر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أذياله واقتحم الماء وهو يقول: بسم الله وبالله، فلم يصل الماء إلى نصف ساقه، ونادى: أيّها الناس لا يدخل أحد منكم الماء حتى يقول هذه الكلمة فمن قالها سلم، ومن لم يقلها هلك.

فاقتحم القوم الماء وهم يقولون الكلمة ولم يتأخر منهم إلاّ رجلين، فقال أحدهما: بسم الله وبالله. وقال الآخر: بسم اللاّت والعزّى، فغرق الثاني وأمواله، وسلم الآخر وأمواله.

فقال القوم للأول: ما بال صاحبك غرق؟

قال: إنه قد خالف قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فغرق.

فاغتمّ أبو جهل وقومه من ذلك وقالوا: ما هذا إلاّ سحر عظيم.

فقال لـه بعض أصحابه: ما هذا بسحر ولكن والله ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)(30).

كرامة أخرى

ثم إنّهم ساروا حتى نزلوا على بئر كانت تنزل عنده العرب في طريقها إلى الشام، فعمد أبو جهل إلى الرمل والحصى وملأ حجره وطمّ به البئر، فقال لـه أصحابه: ولِمَ تفعل ذلك؟

فقال: اُريد دفنها حتى إذا جاء بنو هاشم وقد أجهدهم العطش فيموتوا عن آخرهم.

ففعل القوم مثل فعله ولم يتركوا للبئر أثراً.

فقال أبو جهل: الآن قد بلغت مرادي، ثم التفت إلى عبد لـه اسمه فلاح وقال له: خذ هذه الدابة وهذه القربة والزاد واختف تحت الجبل فإذا جاء ركب محمّد وقد أجهدهم العطش والنصب ولم يجدوا للبئر أثراً فيموتوا فائتني بخبرهم فإذا بشّرتني بموتهم أعتقتك وزوّجتك بمن تريد من أهل مكة.

فقال الغلام: سمعاً وطاعة وحبّاً وكرامة.

ثم سار أبو جهل وبقي العبد كما أمره، وما هي إلاّ ساعات وإذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدّمهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتبادر القوم إلى البئر فلم يجدوا لـه أثراً، فضاقت صدورهم وأيقنوا بالهلاك فلاذوا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لهم: هل كان هنا موضع فيه ماء؟

قالوا: نعم، كانت هناك بئر قد ردمت بالرمل والحجارة.

فمشى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حتى وقف على حافّة البئر، فرفع طرفه نحو السماء ودعا الله أن يسقيهم، فإذا بالحجارة والرمل قد تفرّقت ونبعت عين الماء وجرى الماء من تحت أقدامه.

فسقى القوم دوابهم وملئوا قربهم وساروا، وسار العبد إلى أبي جهل وقال: ما وراءك؟

فقال: والله ما أفلح من عادى محمّداً، وحدّثهم بما شاهد منه.

فامتلأ غيظاً وقال له: غيّب وجهك عنّي فلا أفلحت أبداً(31).

وادي ذبيان

ثم إنّ الركب سار حتى بلغ وادياً من أودية الشام يقال لـه «ذبيان»(32) وكان كثير الأشجار، فخرج منه ثعبان كبير بحيث إنّ ناقة أبي جهل خافت منه ورمته فغشي عليه، فلمّا أفاق قال لعبيده: تأخّروا جانباً فإذا جاء ركب بني هاشم يتقدّمهم محمّد قدّموه علينا لترى ناقته الثعبان، فعسى أن ترميه إلى الأرض فيموت! .

وبالفعل فقد امتثل العبيد ما أمرهم به، وإذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدّمهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)لهم: أراكم قد نزلتم وليس هو وقت نزولكم؟

فقال لـه أبو جهل: لقد استحييت أن أتقدّم عليك فتقدّم، فلعن الله من يبغضك.

ففرح العباس بذلك وأراد أن يتقدّم، فنهاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتقدّم أمامهم ودخل إلى ذلك الشعب وإذا بالثعبان قد ظهر، فارتعدت منه ناقة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فزعق بها (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم التفت إلى الثعبان وقال له: ارجع من حيث أتيت.

فنطق الثعبان بقدرة الله تعالى وقال: السلام عليك يا محمد.

فأجاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سلامه.

فقال الثعبان: يا محمد ما أنا من هوام الأرض وإنّما أنا ملك من ملوك الجن وقد آمنت على يد أبيك إبراهيم الخليل (عليه السلام) وسألته الشفاعة، فقال: هي لولد يظهر من نسلي يقال لـه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ووعدني أن أجتمع بك في هذا المكان، وقد شاهدت المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) ليلة عرج به إلى السماء وهو يوصي الحواريين باتّباعك والدخول في ملّتك والآن قد جمع الله شملي بك فلا تنسني من الشفاعة يا سيد المرسلين.

فقال لـه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لك ذلك عليّ فعد من حيث جئت ولا تتعرّض لأحد من الركب.

فغاب الثعبان، فلمّا نظر القوم إلى كلامه عجبوا من ذلك، وازداد أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقيناً بنبوّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وفرحاً(33).

نبع الماء من بين أصابعه (صلى الله عليه وآله وسلم)


ثم إنّهم ساروا ونزلوا وادياً كانوا يستفيدون من الماء الذي فيه منذ القدم فلم يجدوا فيه شيئاً، فشمّر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذراعيه وغمس كفّيه في الرمل ورمق بطرفه السماء ودعا بكلمات، فنبع الماء من بين أصابعه وجرت على الأرض أنهار.

فقال العباس: أمسك يا بن أخي أخشى أن تغرق أموالنا، فشربوا جميعاً وملئوا قربهم وسقوا دوابهم.

فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لميسرة: إذا كان عندك شيء من التمر فأحضره، فكان(صلى الله عليه وآله وسلم)يأكل التمر ويغرس النوى في الأرض، فقال لـه العباس: لِمَ تفعل ذلك يا بن أخي؟

قال: يا عم اُريد أن أغرسها نخلاً.

فقال العباس: ومتى تأكل ثماره؟

قال: الساعة نأكل منها ونتزوّد إن شاء الله تعالى.

فقال العباس: إنّ النخلة إذا غرست تثمر في خمس سنين؟!

قال: يا عم سوف ترى من آيات ربّي الكبرى.

وبعد ذلك ساروا حتى غابوا عن الوادي، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عم ارجع إلى الموضع الذي غرست فيه النخلات واجمع لنا ما نأكله.

فعاد العباس فرأى النخلات قد أثمرت، فملأ منها راحلته والتحق بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان يأكل منه ويطعم القافلة.

آنذاك غضب أبو جهل وقال: لا تأكلوا يا قوم ممّا يصنعه محمّد الساحر.

فأجابوه قائلين: ما هذا بسحر.

مع الراهب النصراني

وما هي إلاّ ساعة حتّى تحرّك الركب إلى أن وصلوا عقبة أيلة(34) وكان بها دير(35) وقد كان مملوّاً رهباناً، وكان فيهم راهب يرجعون إليه قد طالع الكتب وعنده سفر(36) قديم فيه صفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من عهد عيسى بن مريم (عليه السلام) .

وكان إذا قرأ الإنجيل على الرهبان ووصل إلى صفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)بكى وقال: متى تبشّروني بمجيء البشير النذير الذي يبعثه الله من تهامة(37) متوّجاً بتاج الكرامة تظلّه الغمامة يشفع في العصاة يوم القيامة؟

فقال لـه الرهبان: لقد قتلت نفسك بالبكاء والأسف على هذا الذي تذكره وعسى أن يكون قد قرب وقته.

فقال: إي والله إنه قد ظهر بالبيت الحرام ودينه عند الله الإسلام فمتى تبشّروني بقدومه من أرض الحجاز؟

فبقي الراهب على تلك الحال حتّى قدم بعض الرهبان وقد أشرقت الأنوار من جبين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فنظر الرهبان إلى نوره، فقالوا: يا أبا الرهبان هذا ركب قد أقبل من الحجاز.

فقال: يا أولادي كثيراً ما مرّت بنا الركبان.

فقالوا: يا أبانا قد رأينا نوراً قد علا.

فرمق بطرفه نحو السماء وقال: إلهي بجاه هذا المحبوب الذي زاد فيه تفكّري إلاّ ما رددت عليّ بصري.

فما استتمّ حديثه حتى ردّ الله عليه بصره، فقال للرهبان: كيف رأيتم جاه هذا الرسول عند علاّم الغيوب؟.

ثم إنّه قال لمن حوله: إن كان النبي المبعوث في هذا الركب فلابدّ أن ينزل تحت هذه الشجرة فإنّها تخضرّ وتثمر، فقد جلس تحتها العديد من الأنبياء وهي من عهد عيسى بن مريم (عليه السلام) يابسة، وهذه البئر لم نر فيها ماء، فإنه يأتي إليها ويشرب منها.

فما هي إلاّ ساعة وإذا بالركب قد أقبل ونزلوا عند البئر وحطّوا رحالهم وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يحبّ الخلوة بنفسه فجلس تحت الشجرة فاخضرّت وأثمرت من ساعتها.

فما استقرّ بهم المجلس حتى قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فمشى إلى البئر وكانت قد جفّت، فنظر إليها وتفل فيها فتفجّرت منها عيون كثيرة ونبع منها ماء معين.

فلمّا رأى الراهب ذلك قال: يا أولادي هذا هو المطلوب، فإنه سيد الأنام لنأخذ منه الذمّة لبقيّة الرهبان.

فبادروا وهيّئوا الولائم فرحاً به وانزلوا إلى سيّد القافلة وقولوا له: إنّ أبانا يسلّم عليك وهو يدعوك إلى وليمته.

فنزل بعضهم ولم ير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخبر أبا جهل بما قاله الراهب، فنادى في العرب إنّ هذا الراهب قد صنع لأجلي وليمة واُريد أن تجيبوا دعوته.

فقال القوم: من نترك عند أموالنا؟

فقال أبو جهل: اجعلوا محمّداً عندها فهو الصادق الأمين.

وبالفعل، فقد جاء القوم إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وسألوه أن يجلس عند متاعهم وذهبوا إلى الراهب يتقدّمهم أبو جهل.

فلمّا دخلوا على الدير رحّب بهم وقدّم لهم الطعام، فشرعوا بالأكل وأخذ الراهب ينظر إليهم رجلاً بعد الآخر، فلم ير صفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في أحدهم، فقال: وا خيبتاه إنّ الذي انتظرناه لم نجده.

ثم قال بعد ذلك: يا أسياد قريش هل بقي منكم أحد؟

فقال أبو جهل: نعم بقي صبي صغير أجير على أموال بعض نسائنا.

فنهره حمزة سيد الشهداء (عليه السلام) وقال: لِمَ لا قلت: تأخّر منّا البشير النذير والسراج المنير، تركناه عند متاعنا لأمانته وليس فينا أصلح منه.

ثم التفت حمزة (عليه السلام) إلى الراهب وقال: أرني السفر وأخبرني بما فيه.

ولمّا لاحظوا الصفات التي فيه قال العباس: يا راهب إذا رأيته تعرفه؟

قال: نعم.

قال: سر معي إلى الشجرة فإنّ صاحب هذه الصفة تحتها.

فخرج الراهب من الدير مجدّاً في خطواته حتى بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا رآه نهض قائماً وقال: مرحباً، السلام عليك يا رسول الله.

فقال لـه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): وعليك السلام يا عالم الرهبان ويا ابن اليونان.

فقال الراهب: وما أدراك أنّي ابن اليونان.

قال: الذي أخبرك أنّي اُبعث في آخر الزمان.

فانكبّ الراهب على قدميه يقبّلهما.

ثم إنه اصطحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى وليمته، ولمّا أشرف على القوم قاموا لـه إجلالاً وأجلسوه في أوساطهم في أعلى مكان.

ووقف الراهب بين يديه والرهبان حوله، فرمق الراهب بطرفه السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي أرني خاتم النبوّة.

فأرسل الله عزّوجلّ جبرئيل ورفع ثيابه عن ظهره، فظهر خاتم النبوّة بين كتفيه فسطع منه نور ساطع.

فلمّا رآه الراهب خرّ ساجداً هيبة من ذلك النور، ثم رفع رأسه وقال: هو أنت حقّاً(38).

محاولة اغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

لا يخفى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)تعرّض في حياته أكثر من مرّة لمحاولة اغتيال من قبل اليهود وغيرهم، ومنها عندما نزل(صلى الله عليه وآله وسلم)في الشام التي قدم إليها للتجارة في أموال السيدة خديجة (سلام الله عليها).

ففي التاريخ أنّ قافلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا نزلت أرض الشام ونزلوا بها تبادر أهل المدينة واشتروا بضاعتهم وباعت قريش بضائعها بأغلى الأثمان، وأمّا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنه لم يبع شيئاً من بضاعته، حتّى أنّ أبا جهل أخذ يسخر به.

فلمّا أصبح الصباح نادى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في العرب، فلمّا أقبلوا يريدون البضائع لم يجدوا إلاّ بضائع خديجة فاشتروها بأضعاف ما باعت قريش، فاغتمّ أبو جهل لذلك غمّاً شديداً، ولم يبق من بضائع خديجة إلاّ حمل بعير فجاء رجل من أحبار اليهود وكهّانهم وكان قد اطّلع على صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا نظر إليه عرفه بالنور وقال: هذا الذي يسفّه أحلامنا ويعطّل أدياننا ويرمّل نسواننا، ولذا فإنه قصد قتله(صلى الله عليه وآله وسلم)فدنا منه وقال: بكم هذا الحمل؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بخمسمائة درهم لا ينقص منها شيء.

قال: اشتريت بشرط أن تسير معي إلى منزلي.

فقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسارا إلى منزله، فلمّا قرب اليهودي من منزله هرع إلى زوجته وقال لها: اُريدك منك أن تعينيني على قتل هذا الذي يعطّل أدياننا.

فقالت: وماذا أصنع به؟

قال: خذي فردة الرحى واجلسي على باب الدار فإذا رأيتيه قبض منّا الثمن وخرج، ارميها عليه لتقتله ونستريح منه.

وبالفعل فقد أخذت زوجة اليهودي الرحى وصعدت إلى سطح الدار، فلمّا خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)همّت أن تلقيها عليه فأمسك الله يديها ورجف قلبها وغشي عليها وكان لها ولدان قائمان بفناء الدار فسقطت الرحى عليهما فماتا.

فلمّا نظر اليهودي إلى ما جرى على أولاده نادى قومه برفيع صوته، فأجابوه من كل حدب وصوب وقالوا له: ماذا بك؟

فقال: اعلموا أنه قد حلّ ببلدكم هذا الرجل الذي يعطّل أديانكم ويسفّه أحلامكم وقد دخل منزلي وقتل أولادي.

فلمّا سمعوا ذلك منه ركبوا خيولهم وجرّدوا سيوفهم وحملوا على قريش كافة.

فلمّا نظر أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى اليهود، همّوا بهم وارتفع الصياح.

وآنذاك وبعد أن رأى اليهود بأس قريش أجمعوا على أن يبعثوا بعض رؤسائهم مجرّدين عن السلاح.

فلمّا رأتهم قريش من غير سلاح قالوا ما شأنكم؟

قالوا: إنّ هذا الرجل الذي معكم ـ يعنون بذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أول من يبدئ بخراب دياركم وقتل رجالكم وتحطيم أصنامكم، والرأي عندنا أن تسلّموه لنا حتى نقتله ونستريح منه نحن وأنتم.

فلمّا سمع حمزة الكلام قال: يا ويلكم هيهات هيهات أن نسلّمه إليكم، فهو نورنا وسراجنا ولو تلفت فيه أرواحنا فهي فداه دون أموالنا.

فيئس اليهود من بلوغ مرادهم ورجعوا على أعقابهم(39).

عودة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مكّة

ينقل المؤرخون أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)حينما أشرف على مشارف مكة المكرّمة بعث المخبرين كي يبشّروا بقدومه إلى مكة …

وبالفعل، فقد أخذ المبشّرون يبشّرون بقدومه(صلى الله عليه وآله وسلم)ويخبرون الناس عن عظيم تجارته ومدى موفّقيته في سفره، وكيف أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)حاز على الكثير من البركات في هذه السفرة الشاقّة.

ولذا فإنّهم لمّا علموا بالخبر خرجوا مبادرين يسبقهم عبيد خديجة وجواريها، فكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لا يمرّ على عبد من عبيد خديجة إلاّ يعقر ناقة فرحاً بقدومه.

ثم تفرّق الناس إلى منازلهم ونظرت السيّدة خديجة(عليها السلام) إلى جِمالها وقد أقبلت سالمة وكانت قد اعتادت أن يموت بعضها في كل سفرة ويجرّب البقية إلاّ في هذه السفرة، فإنّها لم تنقص منها شعرة، فوقف الناس متعجّبين من ذلك وأخذوا يتساءلون لمّا تمرّ بهم الجمال: لمن هذه؟

فيقال: هذا ما أفاده محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)لخديجة من الشام.

فذهلت عقولهم.

ولمّا اجتمعت أموال السيّدة خديجة فكّوا رحالها وعرضوا الجميع عليها وكانت جالسة خلف الحجاب والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)جالس وسط الدار و(ميسرة) يعرض عليها الأمتعة شيئاً فشيئاً.

فدهشت من بركة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعثت إلى أبيها تخبره بذلك وترغّبه في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

فما هي إلاّ ساعة واحدة وإذا بخويلد قد أقبل ودخل منزل السيّدة خديجة وإذا بها تقوم لـه إجلالاً وتجلسه إلى جنبها وتبدأه بالترحيب به، ثم أخذت تعرض عليه البضائع وهي تقول: يا أبت هذا كلّه ببركة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)والله يا أبتاه إنه مبارك(40).

طلب الزواج من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

هناك الكثير من المؤيّدات التي تدل على أنّ السيدة خديجة (عليها السلام) لم تكن على دين أهل مكة من الشرك، بل كانت مؤمنة على دين إبراهيم الخليل (عليه السلام) ، منها: حرصها الشديد على أن تكون هي صاحبة الشرف العظيم في أن تكون زوجة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا إنما يدلّ على عمق معرفتها وتقديسها للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي يحمل في جبينه نور الرسالة الخاتمة.

نعم، فلمّا عرفت السيدة خديجة مقام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)واطمأنت بأنه نبي آخر الزمان بذلت كل ما لديها كي تنال شرف الزواج منه.

ففي التاريخ أنّها (عليها السلام) عرضت نفسها عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)وقالت له: قم إلى عمومتك وقل لهم يخطبوني لك من أبي، ولا تخش من كثرة المهر فهو عندي.

فخرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من عندها ودخل على عمّه أبي طالب (عليه السلام) والسرور في وجهه، فوجد أعمامه مجتمعين

فنظر إليه أبو طالب (عليه السلام) وقال: يا بن أخي يهنؤك ما أعطتك خديجة وأظنّها قد غمرتك من عطاياها؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عم لي إليك حاجة.

قال: وما هي؟

قال: تنهض أنت وأعمامي هذه الساعة إلى خويلد وتخطبون لي منه خديجة.

فاختلف أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بين مؤيّد ومخالف.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا معشر الأعمام قد أطلتم الكلام فيما لا فائدة فيه، قوموا واخطبوا لي خديجة من أبيها فما عندكم من العلم مثل ما عندي منها(41).

ميسرة يتحدّث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


من الذين أشادوا بفضائل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وحدّثوا السيدة خديجة (عليها السلام) عن عظيم مقاماته هو (ميسرة) خادمها الذي رافق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)طيلة سفره إلى الشام وشاهد بعينيه كل المعاجز والكرامات المحمودة التي اتّفقت لـه أثناء الطريق.

فلمّا عاد ميسرة من السفر التفتت إليه السيدة خديجة وقالت: حدّثني كيف كان سفركم؟ وما الذي عاينتم من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فقال: يا سيدتي وهل اُطيق أن أصف لك بعضاً من صفاته وما عاينت منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم أخبرها بحديث السيل والبئر والثعبان والنخل وما أخبره الراهب وما أوصاه إلى خديجة.

فقالت: حسبك يا ميسرة اذهب فأنت حرّ لوجه الله، وزوجتك وأولادك، ولك عندي مائتا درهم وراحلتان وخلعت عليه خلعة سنية(42) وقد امتلأ سروراً وفرحاً.

ثم إنّ السيّدة خديجة (عليها السلام) التفتت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقالت: يا سيدي كيف كان سفركم؟

فأخذ(صلى الله عليه وآله وسلم)يحدّثها بما باعه وما شراه.

فرأت خديجة ربحاً عظيماً، وقالت: يا سيدي لقد فرّحتني بطلعتك وأسعدتني برؤيتك فلا لقيت بؤساً ولا رأيت نحوساً(43).

السيّدة صفية تخطب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

ولمّا علمت السيّدة صفية عمّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)برغبة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الزواج من السيدة خديجة (عليها السلام) وبعد أن اطّلعت أنّ السيّدة خديجة هي التي عرضت نفسها عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)أرادت أن تطمأن لصدق الخبر، لعلمها أنّ السيدة خديجة (عليها السلام) كانت قد ردّت الكثير من أسياد قريش وخشيت أن تكون السيدة خديجة (عليها السلام) غير جادّة في رغبتها، ولذا فإنّها (رضوان الله عليها) قالت لأعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): سأذهب إليها واُبيّن لكم الأمر.

فسارت إلى دار خديجة، فلقيتها بعض جواريها في الطريق فسبقتها إلى الدار وأخبرت السيّدة خديجة بقدومها.

وكانت السيدة خديجة تريد النوم فنهضت وهيّأت لها المكان.

فطرقت صفيّة الباب، ففتح وجاءت إلى السيّدة خديجة، فرحّبت بها كثيراً.

فقالت السيّدة صفيّة: يا خديجة جئت أسألك عن كلام أهو صحيح أم لا؟

فقالت خديجة: بل هو صحيح إن شئت تخفيه أو شئت تبديه، وأنا قد خطبت محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)لنفسي وتحمّلت عنه مهري وإنّي قد علمت أنه مؤيّد من ربّ السماء.

فتبسّمت صفية من كلامها واسترّت منه.

ولمّا عزمت السيّدة صفيّة على الخروج من الدار، قالت لها السيّدة خديجة: انتظري قليلاً، وقالت: يا صفية بالله عليك إلاّ ما أعنتيني على حاجتي.

فرجعت صفية إلى أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: يا إخوتي قوموا إن كنتم قائمين فو الله إنّ لها في ابن أخيكم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)رغبة، ففرحوا بذلك(44).

أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقصدون خويلد


وعندما عادت السيّدة صفيّة وأخبرت أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)برغبة السيّدة خديجة في الزواج منه(صلى الله عليه وآله وسلم)عمد أبو طالب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وألبسه أحسن الثياب وأفخرها وقلّده سيفاً وأركبه على جواده وأحدق به عمومته من كل جانب، ثمّ ساروا حتّى وصلوا منزل خويلد فسبقتهم الجواري إليه.

فلمّا نظر خويلد إلى بني هاشم قام لهم ورحّب بهم.

فقال أبو طالب (عليه السلام) له: يا خويلد ما جئنا إلاّ لحاجة وأنت تعلم قربنا منكم ونحن في هذا الحرم أبنا أب واحد وقد جئنا خاطبين ابنتك خديجة لسيدنا ونحن لها راغبون.

فقال خويلد: ومن الخاطب منك؟ ومن المخطوبة منّي؟

فقال أبو طالب: الخاطب منّا محمّد ابن أخي والمخطوبة خديجة.

فلمّا سمع ذلك خويلد تغيّر لونه وقال: والله إنّ فيكم الكفاية وأنتم أعزّ الخلق علينا ولكن خديجة قد ملكت نفسها وعقلها أوفر من عقلي(45).

ورقة يرغّب خديجة في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

وقد كانت السيدة خديجة (سلام الله عليها) تقدّس عمّها ورقة بن نوفل وتحترم آراءه كثيراً بل ـ وكما في التاريخ ـ أنّها كانت تستشيره في اُمورها الصعبة المهمّة.

وكما ورد في التاريخ أنّها (عليها السلام) لمّا رغبت في الزواج من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)اطّلع ورقة على حالها وقد كان مطّلعاً على أحوال نبي آخر الزمان وكيف أنه يتزوّج بامرأة تسود قومها، فرغّبها في الزواج منه وأشار عليها بفضائل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ومدى قداسة المرأة التي ستكون زوجة له.

فقد نقل العلامة المجلسي (رضوان الله تعالى عليه) في (البحار) أنه: كان لخديجة عم يقال لـه ورقة، وكان قد قرأ الكتب كلّها وكان عالماً حبراً، وكان يعرف صفات نبي آخر الزمان، وكان عنده أنه يتزوّج بامرأة سيدة من قريش تسود قومها وتنفق عليه مالها وتمكّنه من نفسها وتساعده على كل الاُمور، فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالاً من خديجة، فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة وكان يقول لها: ياخديجة سوف تتّصلين برجل يكون أشرف أهل الأرض والسماء(46).

مهر السيدة خديجة (عليها السلام)

لقد كانت السيّدة خديجة (عليها السلام) عظيمة الشأن، عارفة بقداسة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مطّلعة على جلالة قدره وارتفاع مقامه الشامخ، ولذا فإنّها(عليها السلام) كانت تبذل الغالي والنفيس حتّى تحظى بزواجها منه (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقد دفعت مبلغ المهر للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّها (عليها السلام) رفضت الزواج من أسياد العرب وزعمائهم.

وهذا إنما يدل على غور معرفتها ومدى رغبتها في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولذا فإنّ عمّها ورقة لمّا قال: نريد مهرها وهو كذا وكذا، أجابه أبو طالب(عليه السلام) قائلاً: رضينا بذلك.

فقال خويلد: قد زوّجت خديجة بمحمد على ذلك.

فقبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عقد النكاح.

فنهض حمزة وكان معه دراهم فنثرها على الحاضرين.

وفي نفس الوقت قام أحد الحاضرين وقال: يا قوم رأينا الرجال يمهرون النساء، ولم نر النساء يمهرن الرجال؟

فنهض أبو طالب (عليه السلام) وأجابه قائلاً: مثل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)يحمل إليه ويٌعطى ومثلك من يهدي ولا يقبل منه.

ثم إنّه سمع الناس منادياً ينادي من السماء: إنّ الله تعالى قد زوّج بالطاهر الطاهرة وبالصادق الصادقة.

وأمر الله عزّوجلّ جبرئيل أن يرسل على الناس الطيّب على البرّ والفاجر.

ثمّ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ذهب إلى منزل عمّه أبي طالب (عليه السلام) وقد أحدق به أعمامه من كل حدب وصوب فاجتمعوا في دار خديجة (عليها السلام).

وقد بعثت السيّدة خديجة (عليها السلام) أربعة آلاف دينار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقالت: ابعثها إلى عمّك العباس ليرسلها إلى أبي، وأرسلت مع المال خلعة(47) سنيّة، فسار بها كل من العباس وأبو طالب إلى منزل خويلد وألبساه الخلعة.

فقام خويلد من ساعته إلى دار ابنته السيّدة خديجة وقال: يا بنية ما الانتظار بالدخول؟ جهّزي نفسك فهذا مهرك أرسلوه إليّ وأعطوني هذه الخلعة.

آنذاك التفتت السيّدة خديجة (عليها السلام)إلى عمّها ورقة وقالت: خذ هذه الأموال إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وقل لـه: هذه هدية لك تصرّف فيها كيف تشاء، وقل لـه: إنّ مالي وعبيدي وجميع ما أملك وما هو تحت يدي فقد وهبته لـه(صلى الله عليه وآله وسلم)إجلالاً وإعظاماً.

فوقف ورقة بين زمزم والمقام ونادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب إنّ خديجة تشهدكم على أنّها قد وهبت نفسها ومالها وعبيدها وخدمها وجميع ما ملكت يمينها والصداق والهدايا لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وجميع ما بذل لها مقبول منه وهو هدية منها إليه إجلالاً لـه وإعظاماً ورغبة فيه، فكونوا عليها من الشاهدين.

وبعد ذلك قصد ورقة منزل أبي طالب (عليه السلام) وكانت خديجة (عليها السلام) قد بعثت جارية ومعها خلعة سنية وقالت: أدخليها إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا دخل عليه عمّي ورقة يخلعها عليه ليزداد عمّي فيه حبّاً.

فلمّا دخل ورقة عليهم قدّم المال إليهم وقال الذي قالته خديجة، فقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وكساه الخلعة وزاده خلعة اُخرى.

فلمّا خرج ورقة تعجّب الناس من حسنه وجماله.

ثم إنّ السيّدة خديجة أخذت في جهازها، فلمّا كانت الليلة الثالثة دخل عليها عمّات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)واجتمع السادات والأكابر في اليوم الثالث كعادتهم(48).

خطب في عقد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


من عادة العرب أنّهم إذا أشرفوا على أمر مهم أن يقدّموا الخطابة ويتفاخروا بفضائلهم وخصالهم أمام الآخرين.

ففي الزواج مثلاً كانوا يتباهون بأنسابهم وأحسابهم ويؤكّدون على محاسنهم ومزاياهم الخيّرة التي ترفع من شأنهم لدى الملأ العام.

وهذا ما حصل تماماً لدى خطبة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)للسيدة خديجة، فقد أخذ الطرفان يتفاخران ولكن بفضائل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وخصاله الحميدة التي أقرّها المؤالف والمخالف.

فقد أخذ والد السيّدة خديجة «خويلد» يفتخر بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)منادياً بأعلى صوته: يا معاشر العرب، والله ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء بأفضل من محمد ولقد رضيته لابنتي بعلاً وكفواً فكونوا على ذلك من الشاهدين(49).

ثم قام العباس وقال: يا معاشر العرب لِمَ تنكرون الفضل لأهله، هل سقيتم الغيث إلاّ بابن أخي؟ وهل اخضرّ زرعكم إلاّ به؟ وكم لـه عليكم من إياد كتمتموها ولزمتم لـه الحسد والعناد؟ وبالله أقسم ما فيكم من يعادل صيانته ولا أمانته واعلموا أنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يخطب خديجة لمالها ولا جمالها، إنّ المال زائل...

ولمّا خطب الجميع أقبل خويلد وجلس إلى جانب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأمسك الناس عن الكلام حتى يسمعوا ما يقول خويلد، فقال خويلد: يا أبا طالب ما الانتظار عمّا طلبتم اقضوا الأمر فإنّ الحكم لكم وأنتم الرؤساء والخطباء والبلغاء والفصحاء فليخطب خطيبكم ويكون العقد لنا ولكم.

فنهض أبو طالب (عليه السلام) وخطب خطبة جميلة نقلها المؤرخون في مصنّفاتهم(50).

وهكذا تم هذا الزواج المبارك.

عمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)حين الزواج

قيل: كان عمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حين تزوّج بالسيّدة خديجة (عليها السلام) إحدى وعشرين سنة.

وقيل: إن عمره(صلى الله عليه وآله وسلم)كان خمساً وعشرين سنة(51).

وقد أقامت معه أربعاً وعشرين سنة وشهراً. ولم يتزوّج عليها غيرها، إلاّ بعد أن توفيت (عليها السلام)(52).

والظاهر أن السيدة خديجة (عليها السلام) لم تتزوج بغير رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث إنها قد بشرت بزواجها من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فلم تقبل أي واحد كزوج لها.

هذا وقد ذكر جماعة من المؤرخّين أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يتزوّج بكراً غير عائشة، ولكن خالفهم في ذلك جمهرة منهم: أبو القاسم الكوفي وأحمد البلاذري في كتابيهما، وعلم الهدى في الشافي، وأبو جعفر في التلخيص، على ما حكاه عنهم في البحار، فقالوا: أنّها كانت عندما تزوّجها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عذراء. وإنه لم يبق من أشراف قريش ومن ساداتهم وذوي الجدة منهم إلاّ وخطب السيّدة خديجة ورام تزويجها فامتنعت على جميعهم من ذلك.

فلمّا تزوّج بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)غضبن عليها نساء قريش وهجرنها وقلن لها: خطبك أشراف قريش واُمرائهم فما تزوّجت أحداً منهم وتزوّجت محمداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال لـه؟

فكيف يجوز في نظرهم أن تكون خديجة يتزوّجها يتيم لا مال لـه وتمتنع من سادات قريش وأشرافها على أموالهم الكثيرة.

المهر القليل

المهر القليل مما أكد عليه الإسلام، وذلك تسهيلاً لأمر الزواج، وقد ورد أن خير نسائكم أقلهن مهراً(53)، وهكذا كان زواج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل البيت (عليهم السلام)بمهر قليل.

فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تزوج خديجة (عليها السلام) ومهرها ـ حسب بعض الروايات ـ اثنتا عشرة أوقية ونش(54).

عن حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قال أبي: ما زوج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)شيئاً من بناته ولا تزوج شيئاً من نسائه على أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش، يعني نصف أوقية»(55).

وفي حديث آخر: «ما تزوج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)شيئاً من نسائه، ولا زوج شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش، والأوقية أربعون درهما والنش عشرون درهما»(56).

إسلام السيدة خديجة (عليها السلام)

من الاُمور المتّفق عليها لدى الجميع أنّ السيّدة خديجة (عليها السلام) هي أوّل امرأة أسلمت وآمنت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد بقيت تصلّي مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سرّاً ما شاء الله، فعن عفيف الكندي قال: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا اُريد أن ابتاع لأهلي من ثيابها وعطرها، فنزلت على العباس بن عبدالمطّلب، قال: فأنا عنده وأنا أنظر إلى الكعبة وقد حلّقت الشمس، فارتفعت إذ أقبل شاب حتى دنا من الكعبة فرفع رأسه إلى السماء فنظر ثم استقبل الكعبة قائماً مستقبلها، فما لبثت إلاّ يسيراً حتى جاء غلام حتى قام عن يمينه ثم ما لبثت إلاّ يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما ثم ركع الشاب، فركع الغلام وركعت المرأة، ثم رفع الشاب رأسه ورفع رأسه الغلام ورفعت المرأة رأسها، ثم خرّ الشاب ساجداً وخرّ الغلام ساجداً وخرّت المرأة، قال: فقلت: يا عباس إنّي أرى أمراً عظيماً.

فقال العباس: أمر عظيم، هل تدري مَن هذا الشاب؟

قلت: لا ما أدري.

قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب ابن أخي، هل تدري مَن هذه؟

قلت: لا أدري.

قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي هذا، إنّ ابن أخي هذا الذي ترى حدّثنا إنّ ربّه ربّ السماوات والأرض، أمره بهذا الدين الذي هو عليه، والله ما علمت على ظهر الأرض كلّها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة(57).

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول لخديجة (عليها السلام) ويخبرها بما يأتيه من قبل أن ينبأ به، وما يراه في منامه، وتخبره هي بقول ورقة، فلمّا أتاه الوحي من عند الله عزوجل بالرسالة أخبرها بذلك ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت، كما أسلم علي (عليه السلام) فكانا أوّل مسلمين به(58).

معزّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)للسيّدة خديجة (عليها السلام)


كانت للسيّدة خديجة (عليها السلام) معزّة خاصّة في قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وذلك لمناصرتها لـه وإيمانها السريع به وتصديقها إيّاه و...

فعن عائشة قالت: سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)صوت هالة بنت خويلد … فقال: ما رأيت كاليوم صوتاً أشبه بصوت اُمّ هند ـ يعني خديجة ـ من هذا الصوت.

قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ما يذكّرك عجوزاً من عجائز قريش!

فغضب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)غضباً شديداً لم أره غضب مثله قبله ولا بعده، ثم قال: لا تذكري اُمّ هند، فقد كانت لها منّي اثنتان، أول من آمنت بي ورزقت منّي الولد، وحرمتيه(59).

بل إنّها كانت أحبّ أزواجه إليه وأكرمهنّ عليه وأفضلهنّ عنده واُمّ بنيه وبناته ومسليته ـ كما ذكر(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ ومفرّجة غمومه، ولم يكن بينه وبينها اختلاف أيام حياتها حتى قبضت وهو عنها راضٍ ولها شاكر، رحمة الله ورضوانه تعالى عليها.

أولاد السيّدة خديجة (عليها السلام)

إنّ أولاد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كلّهم من السيّدة خديجة (عليها السلام) إلاّ إبراهيم.

أمّا إبراهيم فهو من السيّدة مارية القبطية، وقد ولد بالمدينة وعاش سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، ومات بالمدينة ودفن في البقيع(60).

فأنجبت السيدة خديجة (عليها السلام) من الأولاد: القاسم والطيّب، وقد ماتا بمكّة صغيرين.

وأنجبت من البنات: زينب واُمّ كلثوم ورقية وفاطمة.

وكلّهن متن من أثر الضرب في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ما عدا السيّدة الزهراء (عليها السلام) التي ماتت شهيدة مظلومة بعد وفاة أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وكانت أول من التحق به من أهل بيته.

وفاة السيّدة خديجة (عليها السلام)

توفّيت أم المؤمنين السيّدة خديجة (عليها السلام) بمكة في السنة الثالثة قبل الهجرة.

وقد حزن عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كثيراً.

وكان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بشرها بمكانها في الجنة، فإنه لمّا حضرتها الوفاة دخل عليها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال لها: تكرهين ما أرى منك وقد جعل الله من الكره خيراً.

وعند دفنها نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في حفرتها وأدخلها القبر بيده الشريفة في الحجون(61).

فكانت وفاتها مصيبة عظيمة على قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد تبعتها مصائب وكوارث تحمّلها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)برباطة جأش وصبر على المكاره ورضاء من الحق عزّوجلّ.

وقد كانت وفاة السيّدة خديجة (عليها السلام) وأبي طالب (عليه السلام) في عام واحد قبل الهجرة بثلاث سنين، أي في السنة العاشرة من البعثة بعد خروج بني هاشم من الشعب(62).

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «ما اغتممت بغمّ أيام حياة أبي طالب وخديجة».

لما كان أبو طالب (عليه السلام) يدفعه عنه وخديجة (عليها السلام) تعزّيه وتصبّره وتهوّن عليه ما يلقاه في ذات الله عزّوجلّ(63).

ولذا عند ما توفي عمه أبوطالب وزوجته خديجة سمى ذلك العام بعام الحزن(64).

فرضوان الله تعالى عليها.

ـــــــــــــــــ

(1) كشف الغمّة: ج1 ص512.

(2) الخصال: ج1 ص225 باب الأربعة ح58.

(3) راجع مستدرك الوسائل: ج6 ص455 باب4ح7221

(4) بحار الأنوار: ج18 ص208 ب1.

(5) بحار الأنوار: ج18 ص232-233 ب1.

(6) روضة الواعظين: ج2 ص269 مجلس في مناقب آل محمّد عليهم السلام.

(7) كشف الغمّة: ج1 ص508.

(8) بحار الأنوار: ج16 ص8.

(9) بحار الأنوار: ج16 ص8.

(10) الأمالي للطوسي: ص175 المجلس الساد س ح46.

(11) الأمالي للطوسي: ص259 المجلس العاشر ح467.

(12) كشف الغمّة: ج1 ص16.

(13) الخصال: ج2 ص404 باب السبعة ح116.

(14) الكافي: ج3 ص219 باب المصيبة بالولد ح2.

(15) الكافي: ج3 219 باب المصيبة بالولد ح7.

(16) تفسير العياشي: ج2 ص279 ح12.

(17) كشف الغمّة: ج1 ص507.

(18) الخصال: ج1 ص206 باب الأربعة ح23.

(19) راجع بحار الأنوار: ج16 ص20 ح19.

(20) راجع بحار الأنوار: ج16 ص21.

(21) حراء جبل بمكّة، (لسان العرب) مادّة حري.

(22) راجع بحار الأنوار: ج16 ص25.

(23) القُباطي: ثياب إلى الدقّة والرقّة والبياض، (لسان العرب) مادّة قبط.

(24) الجبّة: من الملابس، (مجمع البحرين) مادّة جبب.

(25) البُردة: كساء يلتحف به، (لسان العرب) مادّة برد.

(26) راجع بحار الأنوار: ج16 ص28.

(27) تطرّق الإمام المؤلّف ( إلى الكثير من معاجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه القيّم «من معاجز النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)» الذي جمع فيه أكبر قدر استطاع جمعه من معاجزه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقع الكتاب في خمسة مجلدات وهي مخطوطة عند مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت لبنان.

(28) الوعر: ضدّ السهل (مجمع البحرين) مادّة وعر.

(29) راجع بحار الأنوار: ج16 ص30.

(30) راجع بحار الأنوار: ج16 ص30.

(31) بحار الأنوار: ج16 ص33.

(32) ذِبيان: بلد قاطع الاردن ممّا يلي البلقاء، (معجم البلدان) للحموي: ج3 ص4.

(33) راجع بحار الأنوار: ج16 ص35.

(34) أيلة: قرية عربية فيما بين مصر والشام، (لسان العرب) مادّة أيل.

(35) الدير: البيعة أي الكنيسة، كتاب (العين) مادّة دير.

(36) السِفر: الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، (مجمع البحرين) مادّة سفر.

(37) تهامة: اسم مكّة، (لسان العرب) مادّة تهم.

(38) راجع بحار الأنوار: ج16 ص38.

(39) راجع بحار الأنوار: ج16 ص44.

(40) راجع بحار الأنوار: ج16 ص51.

(41) راجع بحار الأنوار: ج16 ص56.

(42) سنية:رفيعة (لسان العرب) مادة سنو.

(43) راجع بحار الأنوار: ج16 ص52.

(44) راجع بحار الأنوار: ج16 ص57.

(45) راجع بحار الأنوار: ج16 ص59.

(46) راجع بحار الأنوار: ج16 ص21.

(47) الخلعة: ما يعطيه الإنسان غيره من الثياب منحة، (مجمع البحرين) مادّة خلع.

(48) راجع بحار الأنوار: ج16 ص70.

(49) بحار الأنوار: ج16 ص69.

(50) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص397 باب الولي والشهود والخطبة والصداق ح4398.

(51) انظر إعلام الورى: ص139 الفصل الأول في ذكر أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاده (صلى الله عليه وآله وسلم).

(52) انظر بحار الأنوار: ج22 ص200ب2 ح20.

(53) مستدرك الوسائل: ج14 ص161 ب5 ضمن ح16380.

(54) انظر إعلام الورى: ص139 الفصل الأول في ذكر أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاده (صلى الله عليه وآله وسلم).

(55) بحار الأنوار: ج22 ص197-198 ب2 ح13.

(56) بحار الأنوار: ج22 ص198 ب2 ح14.

(57) شواهد التنزيل: ج1 ص112 ح125.

(58) قال ابن عباس: أوّل من آمن برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من الرجال علي (، ومن النساء خديجة (. الأمالي للطوسي: ص259 المجلس العاشر ح467. بحار الأنوار: ج16 ص1 ح2 وج38 ص246، نهج البلاغة: ص301 كشف الغمّة: ج1 ص86، العدد القوية: ص245.

(59) راجع شرح الأخبار: ج3 ص20.

(60) مناقب آل أبي طالب: ج1 ص161.

(61) الحجون: بفتح الحاء جبل بمكّة وهي مقبرة، بحار الأنوار: ج18 ص97.

(62) راجع كتاب بحار الأنوار: ج19 ص20.

(63) راجع شرح الأخبار: ج3 ص17.

(64) انظر بحار الأنوار: ج19 ص25.
صورة
]
أضف رد جديد الموضوع السابقالموضوع التالي

العودة إلى ”واحة الائمة المعصومين عليهم السلام“